البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص208

أحدهما : أن تستنبط من خطاب متأخر عن الخطاب المعارض لها، فهذا قد كان يجوز أن يرد الشرع بنسخها للخطاب المتقدم. وإنما منع من ذلك الشرع.
والثاني : أن تكون العلة مستخرجة من خطاب سابق على الخطاب المعارض لها، فهذا يستحيل أن يرد شرع بنسخها للخطاب المتأخر، لأن المفهوم من العلة المستنبطة تحريم المباح بدليل الخطاب، ثم يرد الخطاب المنسوخ بعد العلة الناسخة بالإباحة فيجتمع الحظر والإباحة في حكم واحد، وذلك يمنع التكليف. قال الباجي في أحكامه: وهذا هو الحق. وفصل الآمدي1 بين أن تكون العلة منصوصة فيصح، وإلا فإن كان القياس قطعيا كقياس الأمة على العبد في السراية، فإنه وإن كان مقدما، لكن ليس نسخا، لكونه ليس بخطاب، والنسخ عنده هو الخطاب، وإن كان ظنيا بأن تكون العلة مستنبطة فلا يكون ناسخا. وقد سبقه إلى هذا التفصيل صاحب “المصادر” أيضا، ثم قال: قال القاضي عبد الجبار: إذا كان كذلك يعني العلة منصوصة، فالأقرب أن الناسخ هو ما كان من جهة الرسول، ولكن فعلنا بشرط، وجعل الهندي محل الخلاف في حياة الرسول. وقال: أما بعده فلا ينسخ بالاتفاق.
وأما كونه منسوخا ففيه مسألتان: إحداهما: مع بقاء أصله، قال ابن السمعاني: وفيه وجهان كالوجهين فيما إذا نسخ الأصل، هل يكون ذلك نسخا للقياس؟ قال: وصورته أن يثبت الحكم في عين بعلة، ويقاس عليها غيرها، ثم ينسخ الحكم في تلك العين المقيس عليها، فالأصح أنه يبطل الحكم في الفرع، لأن الفرع تابع للأصل، فإذا بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع.
وقال ابن برهان في “الأوسط”: نقل عن عبد الجبار أنه لا يجوز نسخ القياس، لأنه يتضمن نسخ أصوله من الكتاب والسنة، وهي لم تنسخ. ونقل عنه قول آخر أنه يجوز نسخه. قال: والحق ما ذكره أصحابنا، وهو أنه يجوز نسخه في زمن الرسول بالكتاب، لا السنة والقياس. وأما بعد موته فلا يجوز. ا هـ.
وكذا قال إلكيا: قيل لا يصح نسخه، لأنه مع الأصول، فما دامت الأصول ثابتة فنسخه لا يصح. قال: وهذا عندنا بعد الرسول، فإنه إنما تبين بطلانه من أصله، وذلك ليس من النسخ في شيء، بل يظهر مخالف أو لا يظهر، وكيفما قدر فلا يكون نسخا، وإن كان في عهد الرسول، فيجوز ذلك إن قلنا بجواز الاجتهاد للغائب عنه، بناء
ـــــــ
1 انظر الإحكام للآمدي 3/163.

اكتب تعليقًا