وقد ردوا بذلك أخبارا صحيحة لما اقتضت زيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الآحاد. فردوا أحاديث تعيين الفاتحة1 في الصلاة، والشاهد واليمين، وأيمان الرقبة، واشتراط النية في الوضوء.
ويلزمهم أن يجعلوا حديث المسح على الخفين ناسخا لآية الوضوء، والحديث الوارد بالتوضؤ بالنبيذ عند عدم الماء2 مخالفا للقياس، وقد رجع فيه إلى الحديث، وخالف عادته في حديث المصراة3، وحديث القرعة بين العبيد4 لما خالف الأصول والقياس. فتحصل من مذهبه طرح حديث لم يخالفه قياس، واستعمال حديث جاء بخلاف القياس. وإنما قصرنا حديث الشاهد واليمين بالأموال دون غيرها لإجماع الأمة على ذلك، لأن معنا قائلين:
أحدهما: تركه أصلا كالحنفية.
ـــــــ
1 وذلك كحديث “لا صلاة لمن لم زيقرأ بفاتحة الكتاب” رواه البخاري حديث 756 وكحديث “من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج” . رواه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كحل ركعة، حديث 395.
2 يشير إلى الحديث الذي رواه أبو داود 1/21، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، حديث 84، عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: “ما في إداوتك؟” قال: نبيذ قال: “تمرة طيبة وماء طهور” ، والترمذي 1/147 حديث 88، وابن ماجة 1/135 حديث 384. والحديث ضعيف ففي إسناده أبو زيد وهو رجل مجهول عند أ÷ل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث – كما قال الترمذي – وقال الزيلعي: قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: وأبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود ليس يدري من هو ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف الكتاب والسنة والقياس استحق مجانبة ما رواه. وقال ابن أبي حاتم في كتابه العلل: سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وذكر ابن عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح ه-ذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف القرآن. انظر عون المعبود 1/108.
3 يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن ولا يحفل الإبل والبقر، حديث 2150، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تلقوا الركمبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر” . رواه مسلم، برقم 1515. والتصرية: هي حبس اللبن في الضرع حتى ينخدع المشتري ويظنها كثيرة اللبن.
4 يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه 3/1288 كتاب الإيمان، باب من أعتق شركا له في عبد، حديث 1668 عن عمران بن حصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا.