البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص226

فصل في دلائل النسخ
إذا ورد في الشيء الواحد حكمان مختلفان، ولم يمكن استعمالهما استدل على نسخ أحدهما بأمور:
أحدها: اقتضاء اللفظ له، بأن يعلم تقدم أحد الحكمين على الآخر، فيكون المتقدم منسوخا، والمتأخر ناسخا. قال الماوردي: المراد بالتقدم التقدم في التنزيل، لا التلاوة، فإن العدة بأربعة أشهر سابقة في التلاوة على العدة بالحول، مع أنها ناسخة لها، واقتضاء اللفظ إما بالتصريح كقوله: {الآن خفف الله عنكم} [لأنفال: 66] فإنه يقتضي نسخه لثبات الواحد للعشرة بقوله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187] فإنه يقتضي نسخ الإمساك بعد الفطر، وقوله: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} [المجادلة: 13] الآية فإنه يقتضي نسخ الصدقة عند المناجاة، وإما بأن يذكر لفظ يتضمن التنبيه على النسخ، كما نسخ الإمساك في البيوت حد الزنى بقوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] فنبه على عدم الاستدامة في الإمساك، ولذلك قال: “خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا” 1، وإما بالاستدلال بأن تكون إحدى الآيتين مكية، والأخرى مدنية فعلم أن المنزل بالمدينة ناسخ للمنزل بمكة. قاله أبو إسحاق المروزي وغيره.
الثاني: بقوله عليه السلام: هذا ناسخ أو ما في معناه، كقوله: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها” 2.
الثالث: فعل النبي صلى الله عليه وسلم كرجم ماعز، ولم يجلده، يدل على أن قوله: “الثيب بالثيب جلد مائة ورجمه بالحجارة” 3 منسوخ، ذكره ابن السمعاني، ثم قال: وقد قالوا: إن الفعل لا ينسخ القول في قول أكثر الأصوليين، وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول، فيكون القول منسوخا بمثله من القول، لكن فعله بين ذلك القول.
ـــــــ
1 رواه مسلم في صحيحه 3/1316 كتاب الحدود، باب حد الزنى، حديث 1690.
2 سبق تخريجه.
3 سبق تخريجه. وهو حديث صحيح.

اكتب تعليقًا