كالأكل والشرب، واللبس والنوم، وهو دون ما ظهر منه قصد القربة، وفوق ما ظهر فيه الجبلية، وقد يخرج فيه قولان للشافعي من القولين في تعارض الأصل والظاهر، إذ الأصل عدم التشريع، والظاهر أنه شرعي ; لكونه منصوبا لبيان الشرعيات، وقد جاء عن الشافعي أنه قال لبعض أصحابه: اسقني قائما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائما1.
وقد صرح الأستاذ أبو إسحاق بحكاية الخلاف، وفيه وجهان للأصحاب:
أحدهما : وهو قول أكثر المحدثين أنه يصير سنة وشريعة، ويتبع، والأصل فيه أن يستدل به على إباحة ذلك.
والثاني : أنه لا يتبع فيه إلا بدليل. هكذا حكى الخلاف في “شرح الترتيب”، وقال في كتابه في “الأصول”: يعلم تحليله على أظهر الوجهين، ويتوقف فيه في الوجه الآخر على البيان.
وهكذا حكى الخلاف إلكيا، وعلل الوقت بأن الفعل لا يدل على جواز الإيقاع، والمصالح مختلفة باختلاف أحوال المكلفين. قال: وفي هذا نظر للأصوليين متجه إلا أن الذي عليه الأكثرون أنه مباح ; لإجماع الصحابة، وقد سئلت أم سلمة عن القبلة للصائم، فأجابت بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يبتعد عن ذلك. ا هـ2.
وجزم ابن القطان بأنه على الإباحة، وكذلك الماوردي والروياني في كتاب القضاء، حتى يقوم دليل على اختصاصه به، وفي الصحيح عن عبيد بن جريج. قال: قلت لابن عمر: رأيتك تصنع أربعا، وفيها: رأيتك تلبس النعال السبتية؟ فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها3.
وذكر البخاري في باب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فنبذه، وقال: “إني لم ألبسه أبدا” فنبذ الناس خواتيمهم4.
ـــــــ
1 يشير إلى ما رواه البخاري، كتاب الأشربة، باب الشرب قائما 5615 بإسناده عن علي رضي الله عنه أنه شرب قائما فقال: إن ناسا يكره أحدهم أن يشرب وهو قاائم، وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت.
2 الحديث رواه البخاري، كتاب الصوم، باب القبلة للصائم، حديث 929 عن أم سلمة بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم.
3 رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين، حديث 166، ورواه مسلم حديث 1187.
4 رواه البخاري، كتاب اللباس، باب خواتيم الذهب، برقم 5866 ومسلم، برقم 2091.