البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص249

ويخرج من كلام الفقهاء ما يقتضي انقسام هذا القسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها : ما يترقى إلى الوجوب، كإيجاب الشافعي الجلوس بين الخطبتين ; لأنه عليه السلام كان يجلس بين الخطبتين1 وثانيها : ما يترقى إلى الندب ، كاستحباب أصحابنا الاضطجاع على الجانب الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، سواء كان المرء تهجد أو لا ; لقول عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن2، وأما حديث الأمر به فمعلول3.
ثالثها : ما يجيء فيه خلاف ، كدخوله مكة من ثنية كداء وخروجه من ثنية كداء، وحجه راكبا، وذهابه إلى العيد في طريق، ورجوعه في أخرى، وقد اختلف أصحابنا في هذا: هل يحمل على الجبلي، فلا يستحب؟ أو على الشرعي فيستحب؟ على وجهين.
وقال أبو إسحاق المروزي: إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلا لمعنى، ولم يكن مختصا به فعلناه، ومن طريق الأولى إذا عرفنا أنه فعله لمعنى يشاركه فيه غيره. وقال أبو علي بن أبي هريرة: نفعلها اتباعا له، سواء عرفنا أنه لمعنى يختص به أم لا، وقال الرافعي: الذي مال إليه الأكثرون قول ابن أبي هريرة، ذكره في استحباب تخالف الطريقين في العيد.
وعن الماوردي أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لمعنى فزال ذلك المعنى، فيه وجهان:
أحدهما : قاله أبو إسحاق: لا يفعل إلا بدليل.
والثاني : قاله ابن أبي هريرة يفعل.
وقال ابن الصباغ في صلاة العيدين من “الشامل”: قال أبو إسحاق: إذا عقلنا معنى ما فعله، وكان باقيا، أو لم نعقل معناه، فإنا نقتدي به فيه، فأما إذا عقلنا معنى فعله، ولم يكن الغرض به باقيا لم نفعله ; لزوال معناه، وقال ابن أبي هريرة نقتدي به،
ـــــــ
1 في ذلك أحاديث كثيرة، ومنها ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة، باب الخطبة قائما، حديث 920 بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن. ورواه مسلم حديث 861.
2 رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر، حديث 1160. ورواه مسلم حديث 736.
3 يشير إلى الحديث الذي رواه أبو داود في سننه 2/21 كتاب الصلاة، ولفظه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه” وهو حديث إسناده صحيح كما قال النووي في المجموع شرح المهذب 3/525.

اكتب تعليقًا