البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص250

وإن زال معناه، لقوله تعالى: {واتبعوه} [لأعراف: 158] الآية. لأنه كان يفعل الرمل والاضطباع1 لإظهار القوة من المسلمين، ثم صار سنة، وإن زال معناه،
وبقي قسم آخر وهو أن لا يعلم السبب، وقال النووي في “الروضة”: يستحب التأسي قطعا.
الرابع : ما علم اختصاصه به كالضحى والوتر 2، والمشاورة والتخيير لنسائه، والوصال، والزيادة على أربع – فلا يشاركه فيه غيره. وتوقف إمام الحرمين في أنه هل يمتنع التأسي به؟ وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون به صلى الله عليه وسلم في هذا النوع، ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك، فهذا هو محل التوقف. وتابعه على ذلك ابن القشيري والمازري.
وفصل الشيخ الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه “المحقق في الأفعال” بين المباح، فليس لأحد التشبه فيه به كالزيادة على أربع، وبين الواجب فيستحب التشبه، وكذلك التنزه عن المحرم، كأكل ذي الريح الكريهة، وطلاق من تكره صحبته. قال: وهذا تفصيل حسن لمن فهم الفقه وقواعده، ولعل الإمام عنى بذلك أنه لم ينقل أن الصحابة فعلوا ذلك بمجرد الاقتداء والتأسي، بل لأدلة منفصلة. قلت: وقد
ـــــــ
1 الرمل – بفتح الراء والميم -: هو سرعة المشي مع تفاوت الخطى وهو الخبب، يقال: رمل يرمل – بضم الميم – رملا ورملانا. انظر طلبة الطلبة ص: 30، المجموع شرح المهذب 8/55. والاضطباع: أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على كتفه الأيسر حين الطواف بالكعبة. وهو سنة. فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. انظر فتح القدير لابن الهمام 2/451.
2 روي في ذلك بعض الأحخاديث الضعيفة ومنها عن ابن عباس مرفوعا بلفظ “ثلاث هن علي فرائض، وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى” . رواه أحمد في مسنده 1/231 والدارقطني في سننه 2/21، وفيه “ركعتا الفجر” بدلا من “ركعة الوتر” ورواه الحاكم في المستدرك 1/300، والبيهقي في السنن الكبرى 2/468 جميعا من طرق عن أبي جناب الكلبي عن عكرمة عن ابن عباس مرنفوعا، وأبو جناب الكلبي اسمه يحيى بن أبي حية، وهو ضعيف كما في الضعفاء الصغير للبخاري ص: 50، والضعفاء والمتروكين للنسائي ص: 23، الضعفاء الكبير للعقيلي 4/399 والكامل في الضعفاء لابن عدي 7/212، ورواه الدارقطني في سننه 2/21 وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ص: 193 وعبد الرزاق في المصنف 3/5، ثلاثتهم من طرق عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس مرفوعا بلفظ: “أمرت بالوتر والأضحى ولم يعزم علي” وفيه عبد الله بن محرر وهو منكر الحديث، وكان من خيار عباد الله ممن يكذب ولا يعلم. انظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري 5/12 والمجروحين لابن حبان 2/22. والحديث ضعيف من جميع طرقه كما قال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط ج2/ق69/أ والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 3/136.

اكتب تعليقًا