البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص274

سكت عن بيان كونه لازما دل على أنه ليس من لوازم ذلك الفعل، كما لو أخبر بإتلاف يحتاج إلى معرفة تعلق الضمان أو عدمه، كإتلاف خمر الذمي مثلا، فسكوته يدل على عدم تعلق الضمان به، وكما لو أخبر عن وقوع العبادة المؤقتة على وجه ما، ويحتاج إلى معرفة حكم القضاء بالنسبة إليها، فإذا لم يبينه دل على عدم وجوب القضاء.
وثانيتها : أن يسأل عن قول أو فعل، لا يلزم من سكوته عليه مفسدة في نفس الأمر، لكن قد يكون ظن الفاعل أو القائل يقتضي أن تترتب عليه مفسدة على تقديم امتناعه، فهل يكون هذا السكوت دليلا على الجواز، بناء على ظن المتكلم أو لا ; لأنه لا يلزم منه مفسدة في نفس الأمر، لكن المطلق إنما أرسل الثلاث بناء على ظنه بقاء النكاح، فيقضي ظنه بكون المفسدة واقعة على تقدير امتناع الإرسال. هذا إذا ظهر للمتلاعنين والحاضرين عقب طلاقه أن الفرقة وقعت باللعان، وإلا فيكون البيان واجبا لمفسدة الوقوع في الإرسال.
ومثاله أيضا : استبشاره عليه السلام بإلحاق القائف عليه السلام نسب أسامة بن زيد1، فإن الذين لا يعتبرون إلحاق القائف يعتذرون بأن الإلحاق مفسدة في صورة الاشتباه، ونسب أسامة لاحق بالفراش في حكم الشرع، فلا تتحقق المفسدة عندهم في نفس الأمر، لكن لما كان الطاعنون في النسبة اعتقدوا أن إلحاق القافة صحيح، اقتضى ذلك الظن منهم مع ثبوت النسب شرعا عدم المفسدة في إلحاق القائف.
وثالثتها : أن يخبر عن حكم شرعي بحضرته عليه السلام، فيسكت عنه فيدل ذلك على الحكم، كما لو قيل بحضرته: هذا الفعل واجب أو محظور إلى غيرهما من الأحكام. ورابعتها: أن يخبر بحضرته عن أمر ليس بحكم شرعي، يحتمل أن يكون مطابقا، وأن لا يكون، فهل يكون سكوته دليلا على مطابقته؟ كحلف عمر بحضرته أن ابن صياد الدجال ولم ينكر عليه2، فهل يدل على كونه هو؟ وفي ترجمة بعض أهل
ـــــــ
1 يشير إلى ما رواه البخاري في صحيحه، كتاب الفرائض، باب القائف، حديث 6771 بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي فرأى أسامة بن زيد وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. ورواه مسلم 2/1081 حديث 1459.
2 يشير إلى ما رواه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد، حديث 2929 عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صائد الدجال. قلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: إن ابن صائد الدجال. يعني أن ابن صائد هو الدجال.

اكتب تعليقًا