البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص275

الحديث ما يشعر بأنه ذهب إلى ذلك. قال الشيخ: والأقرب عندي أنه لا يدل ; لأن مأخذ المسألة ومناطها أعني كون التقرير حجة هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه تحقق العصمة. نعم، التقرير يدل على جواز اليمين على حسب الظن، وأنها لا تتوقف على العلم ; لأن عمر حلف على حسب ظنه، وأقره عليه. ا هـ.
ويلتحق بالتقرير صور أخرى.
إحداها: ذكرها ابن السمعاني، وهي ما يبلغ النبي عليه السلام عنهم، ويعلمه ظاهرا من حالهم، وتقرر عنده من عاداتهم، مما سبيله الانتشار والاشتهار، فلا يتعرض له بنكير، كنوم الصحابة قعودا ينتظرون الصلاة، فلا يأمرهم بتجديد الطهارة1، وكعلمه بأن أهل الكتاب يتعاملون بالربا، ويشربون الخمر فلا يتعرض لهم.
قال: ويتصل بهذا ما استدل أصحابنا به من إسقاط الزكاة في أشياء سكت النبي عليه السلام عنها من الزيتون والرمان ونحوهما، وذلك أنه كان لا يخفى عليه أن الناس يتخذونها كما يتخذون الكروم والنخيل، وكان الأمر في إرساله المصدقين والسعاة في أقطار الأرض ظاهرا بينا، وكان إذا بعثهم كتب لهم الكتب، فتقرأ بحضرته ويشهد عليها، فلو كان يجب فيها شيء لأمر بأخذه، ولو أمر لظهر كما ظهر غيره من الأشياء التي فيها الوجوب للأخذ، فلما لم يكن كذلك دل على سقوط الزكاة عنها.
وأما قول من روى أنهم كانوا يبيعون أمهات الأولاد على عهد النبي عليه السلام2، فإنها لم تجر بهذا المجرى في الدلالة على جواز بيعهن ; لأنه لا يعلم هل كان يبلغه هذا الفعل عنهم أو لم يظهر له ذلك، وقد قام الدليل على فساد بيعهن من وجوه، فلم يعترض به على تلك الدلالة.
وهكذا ذكر الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في كتابه من صور كون الشيء من الأمور العامة ولا يتعرض فيه بالأخذ والإيجاب، فيعلم أنه غير واجب، كما قال الشافعي ومالك في الخضراوات كانت على عهد الرسول، فلم يبلغهما أنه أخذ منها الزكاة أو أوجبها.
ـــــــ
1 رواه أبو داود 1/51 كتاب الطهارة، باب في الوضوء من النوم، حديث 200 بإسناده عن أنس قال: كان أصحناب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. وهو حديث صحيح.
2 رواه أبو داود حديث 3945، وابن ماجة، حديث 2517.

اكتب تعليقًا