البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص277

فذلك مما لا يحتج به ; لأن ذلك يحال به على البيان في غير الموضع.
قال: وعلى هذا سكوت الراوي، قد يحتج به، وقد لا يحتج به، فإذا ساق الراوي قضية ظهر منها أنه بعد استغراقها بالحكاية أنه لم يغادر من مشاهير أحكامها شيئا كما نقل الراوي قضية ماعز من مفتتحها إلى مختتمها، ولم ينقل أنه جلد، ورد على هذا من ظن المعترض أن الجلد لا يتشوف إلى نقله عند نقل الرجم، فإنه غير محتفل به في مثل ذلك، ويجاب بأن سياق القضية واستغراقه بتفاصيلها بالحكاية من غير تعرض للجلد دليل على نفي الجلد، إذ لو جرى الجلد لنقله.
ومنه: حكاية المواقع في الصور النادرة، والظن بالراوي أنه إذا نقل الحديث أن ينقل بصورتها إذا كانت الصورة نادرة، فإذا سكت عنها فسكوته حجة. مثاله: ما روي أنه عليه السلام أقاد مسلما بكافر، وقال: “أنا أحق من وفى بذمته” 1، قال بعض المتأولين: لعل كافرا قتل كافرا، ثم أسلم القاتل، وفي ذلك نظر، فإنه لو كان لنقل مثل ذلك على ندور، وتشوف الطباع إلى نقل الغرائب، وهذا حسن. ا هـ.
الثانية : إذا استبشر من فعل الشيء أو قوله، كان ذلك دليلا على كونه جائزا حسنا ; لأنه لا يستحسن ممنوعا منه. يبقى أنه هل استحسنه لكونه مندوبا إليه شرعا؟ أو لكونه لغرض عادي؟ فيه احتمال، وينبغي أن يطرقه الخلاف السابق، والأولى حمله على الشرعي ; لأنه الأغلب من حاله عليه السلام، ولكونه مبعوثا لبيان الشرعيات.
وأما غضبه، وتغير وجهه الكريم من شيء ، فذلك يدل على منع ذلك الشيء، ثم هل ذلك المنع على جهة التحريم أو الكراهية؟ يحتمل أن يجيء فيه الخلاف، والمرجع في هذا النظر في قرائن أحواله وقت غضبه، فيحكم بها، فإن لم تكن قرينة أو لم يفعل فالظاهر التحريم.
واعلم أن الاستبشار أقوى في الدلالة على الجواز من السكوت ، ولذلك تمسك الشافعي في إثبات القيافة وإلحاق النسب بها باستبشار النبي بقول مجزز المدلجي، وقد بدت
ـــــــ
1 الحديث رواه الدارقطني في سننه 3/134 بإسناده عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ربيعة عن ابن البيلماني عن ابن عمر قال: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما بكافر، وقال: :أنا أوللا من وفى بذمته: قال الدارقطني: إبراهيم ضعيف، ولم يروه موصولا غيره، والمشهور عن ابن البيلماني مرسلا. وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله؟! والله أعلم. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/195، والبيهقي في الكبرى 8/31 حديث 15698.

اكتب تعليقًا