البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص288

بأن المعنى: لكاذبون في الشهادة؛ لأنها تتضمن التصديق بالقلب، فهي إخبار عن اعتقادهم، وهو غير موجود، أو كاذبون في تسميتهم إخبارهم شهادة؛ لأن الإخبار إذا خلا عن مواطأة القلب لم يكن في الحقيقة شهادة، أو لكاذبون في المشهود به في زعمهم؛ لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنه غير مطابق للواقع، فيكون كذبا عندهم، وقد يقال: إن المنافقين كانوا يعلمون نبوة الرسول، وإنما ينكرونها بألسنتهم،
واحتج القاضي أبو بكر للمشهور بـ {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد} [المائدة: 73] ولقد علم أن القائلين لذلك غير عالمين بأنه تعالى ليس ما أخبروا عنه، فدل على أن التكذيب باعتبار الواقع، وأصرح منها قوله: {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 39] فإنه يدل على أن الاعتبار في الكذب بالمطابقة الخارجية، أو بها مع الاعتقاد.
فائدة : مما يتفرع على هذا الخلاف لو أقام المدعي بينة، ثم قال: هي كذب، امتنع الحكم بها، وفي بطلان دعواه وجهان، اختيار صاحب “التقريب” نعم؛ لأن الكذب عند الجمهور عدم مطابقة الخبر لما في الخارج، وإن لم يعلم الشخص ذلك وأصحهما المنع؛ لاحتمال أن يريد بكذب الشهود أنهم أخبروا عن غير علم. فلهم حكم الكاذبين إذ رضوا بخبر يجوزن كذبه جوازا غير بعيد، وذلك رضى بالكذب.
الموطن الثالث في انحصاره في ذي الصدق والكذب
المشهور أنه لا واسطة بين الصدق والكذب، بدليل قوله تعالى: {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 39] وقوله عليه السلام: “من كذب علي متعمدا” لدلالته على انقسام الكذب إلى عمد وغيره، وقول ابن عباس: كذب نوف أي البكالي ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل،
ومنهم من أثبت الواسطة، واختلفوا فيه على أقوال.
أحدها : ونقل عن أبي عثمان الجاحظ أن صدقه مطابقته للواقع مع اعتقاد المخبر، وكذبه عدمهما، وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، وكأنه أجرى الصدق مجرى العلم فكما أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به من جهة صحته، فكذلك الخبر، ويجوز أنه راعى أصله الفاسد في التحسين والتقبيح، فراعى في كونه صدقا وقوعه حسنا لمفارقة الصدق والكذب في حسن أحدهما وقبح الآخر، ولا يكون الخبر حسنا إلا مع المخبر

اكتب تعليقًا