البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص292

ومنه قوله: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله} [الصف: 10-11] ثم قال: {يغفر لكم} [الصف: 12] والمعنى: آمنوا بالله ورسوله يغفر لكم، هكذا جعل النحاة يغفر جوابا لـ”تؤمنون”؛ لوقوعه موقع آمنوا، ولا يصح أن يكون جوابا لـ {هل أدلكم} [الصف: 10] على حد قوله: هل تأتيني أكرمك؛ لأن المغفرة لا تجب بالدلالة، وإنما تجب بالإيمان، وقوله {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79] وقيل: إنه نهي مجزوم، ولكن ضمت السين إتباعا للضمير، كقوله صلى الله عليه وسلم…1 ومن الثاني قوله تعالى: {فليمدد له الرحمن مدا} [مريم: 75] المعنى: مد. وقولهم في التعجب: أحسن بزيد، كقوله: {أسمع بهم وأبصر} [مريم: 38] أي ما أسمعهم وأبصرهم، وقوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79] قيل: إنه خبر منفي واقع موقع النهي، هذا هو المشهور.
ومنع القاضي أبو بكر والسهيلي ورود الخبر مرادا به الأمر، وقال: هو باق على خبريته، ولا يلزم الخلف بالنسبة إلى العصاة، فإنه خبر عن حكم الشرع أي أن حكمهن أن يجب أو يشرع رضاعهن أو عليهن الرضاعة والمشهور الأول، بل قيل: إنه أبلغ من الأمر المحض. إذا علمت هذا، وورد الخبر مرادا به الأمر، فهل يترتب عليه ما يترتب على الأمر من الوجوب إذا قلنا: الأمر للوجوب؟ أو يكون مخصوصا بالصيغة المعينة التي هي صيغة افعل؟ قال ابن دقيق العيد في “شرح العنوان”: فيه نظر. قلت: المنقول عندنا هو الأول، كذا رأيت التصريح به في كتاب القفال الشاشي وقد سبقت المسألة في باب الأمر.
الموطن السابع في الفرق بينه وبين الإنشاء
وذلك من وجوه2:
الأول : أن الإنشاء سبب لمدلوله، وليس الخبر سببا لمدلوله، فإن العقود إنشاءات مدلولاتها ومنطوقاتها بخلاف الأخبار.
الثاني : أن الإنشاءات يتبعها مدلولها، والإخبارات تتبع مدلولاتها، فإن الملك والطلاق مثلا يثبتان بعد صدور صيغ البيع والطلاق، وفي الخبر قبله، فإن قولنا: قام زيد
ـــــــ
1 بياض في جميع النسخ.
2 انظر مختصر ابن الحاجب مع العضد 2/49

اكتب تعليقًا