فإن قيل : خبر الواحد ظني، ولا يتفق جمع لا يحصون على الظن، كما لا يتفقون على القياس؟ قيل: الصحيح جواز استناد الإجماع إلى القياس، ونقل إلكيا الطبري عن القاضي أبي بكر أنه قال: لا تتصور هذه المسألة؛ لأن خبر الواحد إذا لم يوجب العلم، فلا يتصور اتفاق الأمة على انقطاع الاحتمال حيث لا ينقطع، واختار ذلك ابن برهان، فقال: عدد التواتر إذا أجمعوا على العمل عن الواحد لم يصر متواترا، وهل يفيد القطع أم لا؟ قال: ولا يتصور هذا؛ لأن خبر الواحد مظنون، والظني لا ينقلب قطعيا. ونقل إمام الحرمين عن القاضي أبي بكر أن تلقي الأمة بالقبول لا يقتضي القطع بالصدق للاحتمال. ثم قال: ثم قيل للقاضي: لو دفعوا هذا الظن، وباحوا بالصدق؟ فقال مجيبا: لا يتصور هذا، فإنهم لا يصلون إلى العلم بصدقه، ولو نطقوا لكانوا مجازفين، وأهل الإجماع لا يجمعون على باطل1.
قال أبو نصر بن القشيري: هكذا ذكره الإمام، وقد حكيت عن القاضي أنه بين في كتاب “التقريب” أن الأمة إذا أجمعت أو أجمع أقوام لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب من غير أن يظهر فيهم التواطؤ على أن هذا الخبر صدق – كان ذلك دليلا على الصدق. قال: فهذا عكس ما حكاه الإمام عنه. وقوله: إنهم لو نطقوا بهذا عن أمر علموه، ذلك كلام لا يستند لأنا لا نطالب أهل الإجماع بمستند إجماعهم. وقال: ولعل ما حكاه الإمام فيما إذا تلقته الأمة بالقبول ولكن لم يحصل إجماع على تصديق المخبر، فهذا وجه الجمع. ا هـ وهو بعيد، وكلام الإمام يأباه.
وجزم القاضي عبد الوهاب في “الملخص” بصحة ما إذا تلقوه بالقبول، قال: وإنما اختلفوا فيما إذا أجمعت على العمل بموجب الخبر لأجله، هل يدل ذلك على صحته أم لا؟ على قولين. قال: وكذلك إذا عمل بموجبه أكثر الصحابة، وأنكروا على من عدل عنه، فهل يدل على صحته وقيام الحجة به كحديث أبي سعيد وعبادة في الربا، وتحريم المتعة. فذهب الجمهور إلى أنه لا يكون حجة بذلك، وذهب عيسى بن أبان إلى أنه يدل على حجيته. قال: فهذا فرع الكلام في خلاف الواحد والاثنين، هل يكون خلافا معتدا به؟ والصحيح الاعتداد به، وحينئذ يمتنع مع هذا أن لا يدل على صحة الخبر. ا هـ.
وقال ابن الصلاح: إن جميع ما اتفق عليه البخاري ومسلم مقطوع بصحته؛
ـــــــ
1 انظر البرهان 1/585.