فإن قيل : فإذا لم يكن العامة من أهل العلم بالدقائق والنظر، فلا يكون لهم مدخل في الإجماع، ولا بهم معتبر في الخلاف؟ قلنا: كذلك نقول، ويقول أكثر الناس. وإنما وجب سقوط الاعتبار بخلافهم لإجماع سلف الأمة من أهل كل عصر على أنه حرام على عامة أهل كل عصر من أعصار المسلمين مخالفة ما اتفق عليه علماؤهم، فوجب أن لا يعتبر بخلاف العامة لأجل هذا الإجماع السابق على منعهم من ذلك.
وجواب آخر : أنه لا يجب ترك الاعتبار بهم؛ لأنهم مسلمون، وبعض الأمة، بل معظمها، فوجب الاعتبار بخلافهم، وثبت أن ما أجمع عليه العلماء عينا وتفصيلا إجماع العامة، وإن لم نعرفه عينا.
فإن قيل: فما يقولون: لو صار عامة الأمة في بعض الأعصار إلى مخالفة إجماع جميع العلماء وخطئهم؟ هل يكون إجماع العلماء حجة؟ قيل: لا يكون قولهم دون قول العامة إجماعا بجميع الأمة؛ لأن العامة بعضهم، لكن العامة مخطئون في مخالفتهم؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم بحكم الله، وأنه يحرم عليهم القول في دين الله بلا علم، وليس خطؤهم من جهة مخالفة الإجماع، إذ هم بعض الأمة.
وجواب آخر: أنه لا يعتبر بخلاف العامة، ولا بدخولهم في الإجماع، لأجل ما قدمناه من اتفاق سلف الأمة على تخطئة عامة أهل كل عصر في خلافهم على علمائهم، فوجب سقوط الاعتبار بقول العامة.
هذا كلامه، وحاصله يرجع إلى إطلاق الاسم بمعنى أن المجتهدين إذا أجمعوا هل يصدق “أجمعت الأمة “، ويحكم به قول العوام فيهم تبعا؟ فالقاضي يقول: لا يصدق اسم الإجماع، وإن كان ذلك لا يقدح في حجيته، وهو خلاف لفظي في الحقيقة، وليس خلافا في أن مخالفتهم تقدح في قيام الإجماع، ولهذا قال في “مختصر التقريب” بعدما سبق: فإن قال قائل: فإذا أجمع علماء الأمة على حكم من الأحكام، فهل يطلقون القول بأن الأمة مجمعة عليه؟
قلنا : من الأحكام ما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام، كوجوب الصلاة والزكاة وغيرهما. فما هذا سبيله يطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه.
وأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تشتبه على العوام، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: العوام يدخلون في حكم الإجماع، وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام، فقد عرفوا على الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة من تفاصيل الأحكام فهو مقطوع به، فهذا مساهمة منهم في الإجماع، وإن لم يعلموا مواقعه