البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص519

وذكر غيره أنهم في الشرعيات كالسوفسطائية في العقليات، وكذا قال أبو بكر الرازي من الحنفية: لا يعتد بخلافهم، ولا يؤنس بوفاقهم.
وقال القاضي عبد الوهاب في “الملخص”: يعتبر كما يعتبر خلاف من ينفي المراسيل، ويمنع العموم ومن حمل الأمر على الوجوب؛ لأن مدار الفقه على هذه الطرق، ونقل ابن الصلاح عن الأستاذ أبي منصور أنه حكى عن ابن أبي هريرة وغيره، أنهم لا يعتد بخلافهم في الفروع، ويعتد بخلافهم في الأصول،
وقال إمام الحرمين: المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا؛ لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها.
وقال في كتاب اللعان: إن قول داود بإجزاء الرقبة المعيبة في الكفارة نقل الشافعي – رحمه الله تعالى – الإجماع على خلافه. قال: وعندي أن الشافعي لو عاصر داود لما عده من العلماء،
وقال الإبياري: هذا غير صحيح عندنا على الإطلاق، بل إن كانت المسألة مما تتعلق بالآثار والتوقيف واللفظ اللغوي، ولا مخالف للقياس فيها لم يصح أن ينعقد الإجماع بدونهم إلا على رأي من يرى أن الاجتهاد لا يتجزأ. فإن قلنا: بالتجزؤ، لم يمنع أن يقع النظر في فرع هم فيه محقون، كما نعتبر خلاف المتكلم في المسألة الكلامية؛ لأن له فيه مدخلا، كذلك أهل الظاهر في غير المسائل القياسية يعتد بخلافهم.
وقال ابن الصلاح: الذي استقر عليه الأمر ما اختاره الأستاذ أبو منصور، وحكاه عن الجمهور، وأن الصحيح من المذهب الاعتداد بخلافهم، ولهذا يذكر الأئمة من أصحابنا خلافهم في الكتب الفرعية.
ثم قال: والذي أجيب به بعد الاستخارة: أن داود يعتبر قوله، ويعتد به في الإجماع إلا ما خالف القياس، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه على خلافه إجماع ينعقد، فقول المخالف حينئذ خارج عن الإجماع، كقوله في التغوط في الماء الراكد1، وتلك المسائل
ـــــــ
1 يعني قول أهل الظاهر في مسألة التبول في الماء الراكد، فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبول فيه ثم يتوضأ منه، فاستمسكوا هم بهذا اللفظ ظاهرا وقالوا: يجوز لمن لم يتبول فيه أن يتوضأ منه أو يغتسل منه ما لم يتغير أحد أوصافه، ويجوز لمن تبول في قارورة وألقاها فيه أن يتطهر منه لأنه لم يتبول فيه مباشرة، وقد عبر ابن حزم رحمه الله تعالى عن هذه المسألة وفروعها في المحلى 1/141 فقال: مسألة: وكل شيء مائع من ماء أو زيت أو سمن أو لبن أو ماء ورد أو عسل أو مرق أو طيب أو غير ذلك
أي شيء كان، إذا وقعت فيه نجاسة أو شيء حرام يجب اجتنابه أو ميتة، فإن غير ذلك لون ما وقع فيه أو طعمه أو ريحه فقد فسد كله وحرم أكله، ولم يجز استعماله ولا بيعه، فإن لم يغير شيئا من لون ما وقع فيه ولا من طعمه ولا من ريحه، فذلك المائع حلال أكله وشربه واستعماله، إن كان قبل ذلك كذلك والوضوء حلال بذلك الماء. والتطهر به في الغسل أيضا كذلك، وبيع ما كان جائزا بيعه قبل ذلك حلال، ولا معنى لتبين أمره، وهو بمنزلة ما وقع فيه مخاط أو بصاق إلا أن البائل في الماء الراكد الذي لا يجري حرام عليه الوضوء بذلك الماء، والاغتسال به لفرض أو لغيره، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره. وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغير، إن لم يغير البول شيلئا من أوصافه. وحلال الوضوء به والغسل به لغيره. فلو أحدث في الماء أو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر، ويجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء، فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلا له ولا لغيره. انتهى من المحلى.

اكتب تعليقًا