البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص533

[ردود العلماء على دعوى: إجماع أهل المدينة]
ولم تزل هذه المسألة موصوفة بالإشكال، وقد دارت بين أبي بكر الصيرفي وأبي عمر [ابن عبد البر] من المالكية. وصنف الصيرفي فيها وطول في كتابه “الأعلام” الحجاج فيها مع الخصم، وقال: قد تصفحنا قول من قال: العمل على كذا، فوجدنا أهل بلده في عصره يخالفونه، كذلك الفقهاء السبعة من قبله، فإنه مخالفهم، ولو كان العمل على ما وصفه لما جاز له خلافهم؛ لأن حكمه بالعمل كعلمهم لو كان مستفيضا.
قال: وهذا عندي من قول مالك على أنه عمل الأكثر عنده، وقد قال ربيعة في قول: ادعى مالك العمل عليه، فقال ربيعة: وقال قوم: – وهم الأقل – ما ادعى مالك أنه عمل أهل البلد. وقال مالك: التسبيح في الركوع والسجود لا أعرفه، حكاه عنه ابن وهب، ثم إنا رأينا ما ادعاه من العمل إنما علمنا عنه بخبر واحد، كرواية القعنبي، وابن بكير، والسبكي، وابن مصعب، وابن أبي إدريس، وابن وهب، وهؤلاء كلهم يجوز عليهم العلم. ووجدنا في كتاب الموطإ هذه الحكاية، ولم نشاهد العمل الذي حكاه، ووجدنا الناس من أهل المدينة وغيرهم على خلافه،
وقال أبو حيان التوحيدي في “البصائر”: سمعت القاضي أبا حامد المروروذي يقول: ليس الاعتماد في الإجماع على أهل المدينة على ما رآه مالك؛ لأن مكة لم تكن دون المدينة، وقد أقام النبي – عليه الصلاة والسلام – بها كما أقام بالمدينة، ومن عدل عن مكة وأهلها مع قيام النبي – عليه السلام – بين أظهرهم وسكانها الغاية في حمل الشريعة بغير حجة، جاز أن يعدل خصمه عن المدينة وأهلها بحجة. وذلك أن الشريعة كملت بين جميع أهل العصر الذين تحققوا النبي عليه الصلاة والسلام، وحفظوا عنه، وابتلوا بالحوادث، فاستفتوه، واختلفوا في الأحكام فاستقضوه، وتخوفوا العواقب فاستظهروا به، ثم إنهم بعد أن صار إلى الله كانوا بين مقيم بالمدينة، ومقيم بمكة، ونازل بينهما، وظاهر عنهما إلى الأمصار البعيدة، واستقرت الشريعة على الكتاب والسنة الشائعة، والقياس المنتزع، والرأي الحسن، والإجماع المنعقد، فلم يكن بلد أولى من بلد، ولا مكان أولى من مكان، ولا ناس أولى وأحفظ لدين الله من ناس، وهم في الإصابة شركاء، وفي الحكم بما ألقى إليهم متفقون. قال: وكان يطيل

اكتب تعليقًا