البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص557

[لا يشترط في المجمعين بلوغهم حد التواتر]
الأمر الثاني : لا يشترط في المجمعين بلوغهم حد التواتر، خلافا للقاضي، بل يجوز انحطاطهم عنه عقلا، ونقل ابن برهان عن معظم العلماء وعن طوائف من المتكلمين، أنه لا يجوز عقلا.
وإذا جوزنا، فهل ينعقد الإجماع به؟ فذهب معظم العلماء إلى أنه يكون حجة، كما قاله ابن برهان، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق، وقال إمام الحرمين: يجوز، ولكن لا يكون إجماعهم حجة، فإن مأخذ الخلاف مستند إلى طرد العادة، ومن لم يحسن استناد الإجماع إليه، لم يستقر له قدم فيه1، ومأخذ الخلاف راجع إلى أن الإجماع من دلالة العادة أو السمع، فمن أخذه من دلالة العقل، واستحالة الخطأ بحكم العادة شرط التواتر، ومن أخذه من الأدلة السمعية اختلفوا، فمنهم من شرطه، ومنهم من نفاه. وهو الصحيح؛ لأن صورة الإجماع المشهود بعصمته عن الخطأ قد وجبت، فيترتب عليها حكمها.
وقال الهندي: المشترطون اختلفوا، فقيل: إنه لا يتصور أن ينقص عدد المسلمين عن عدد التواتر ما دام التكليف بالشريعة باقيا.
ومنهم من زعم أن ذلك وإن كان يتصور، لكن يقطع بأن من ذهب إليه دون عدد التواتر سبيل المؤمنين؛ لأن إخبارهم عن إيمانهم لا يفيد القطع، فلا يحرم مخالفته. ومنهم من زعم أنه وإن أمكن أن يعلم إيمانهم بالقرائن، لا يشترط فيه ذلك، بل يكفي فيه الظهور. لكن الإجماع إنما يكون حجة لكونه كاشفا عن دليل قاطع، وهو يوجب كونه متواترا، وإلا لم يكن قاطعا، فما يقوم مقامه نقله متواترا، وهو الحكم بمقتضاه، يجب أن يكون صادرا عن عدد التواتر، وإلا لم يقطع بوجوده.
ـــــــ
1 انظر البرهان 1/691.

اكتب تعليقًا