والنبوات.
والثالث : التفصيل بين كليات أصول الدين، كحدوث العالم، فلا يثبت به، وبين جزئياته كجواز الرؤية فيثبت به.
ثم فيه مسائل :
الأولى : يجوز أن يعلم بالإجماع كل ما يصح أن يعلم بالنصوص وغيرها من أدلة الشرع ويصح أن تعلم السمعيات كلها من ناحيته. ذكره القاضي عبد الوهاب في “الملخص”. الثانية : قد استدل بعض أئمتنا على كونه تبارك وتعالى متكلما صادقا في كلامه بالإجماع وألزم الدور. قال القرطبي: والحق التفصيل، فإن قلنا: إن المعجزة تدل على صدق المتحدي من حيث إنها تنزلت منزلة التصديق بالقول، فالدور لازم، وإن قلنا: إنها تدل دلالة قرائن الأحوال، لم يلزم.
الثالثة : قيل: يمكن إثبات حدوث العالم بالإجماع؛ لأنه يمكننا إثبات الصانع بحدوث الأعراض، ثم تعرف صحة النبوة بالمعجزة، ثم تعرف من جهة النبوة حجية الإجماع، ثم تعرف به حدوث العالم. قال: ويمكننا التمسك به في التوصل إليه، وفيه نظر.
الرابعة : اختلف في الإجماع في الأمور الدنيوية، كالآراء والحروب، والعادة والزراعة. هل هي حجة؟ فأطلق الشيخ في “اللمع”، والغزالي، وإلكيا، وغيرهم، أنه ليس بحجة، وقال ابن السمعاني: إنه الأصح. قال إلكيا: لا يبعد خطأ الأمة في ذلك، وعمدتهم أن المصالح تختلف باختلاف الأزمان، فلو قيل بحجيته، فربما اختلفت تلك المصلحة في زمن، وصارت في غيره، فيلزم ترك المصلحة، وإثبات ما لا مصلحة فيه، وهو محذور1. ومنهم من ذهب إلى أنه حجة. قال القاضي عبد الوهاب: إنه الأشبه بمذهب أصحابهم؛ لأن ذلك الأمر الذي أجمعت عليه، وإن كان من جلب المنافع، واجتناب المضار، فقد صار أمرا دينيا، وجبت مراعاته فيتناول ذلك الإجماع أدلة الإجماع. ومنهم من فصل بين ما يكون بعد استقرار الرأي، وبين ما يكون قبله، فقال بحجية الأول، دون الثاني، ولعل هذا تنقيح ضابط للقولين الأولين،
ـــــــ
1 انظر الإحكام للآمدي 1/283، شرح تنقيح الفصول ص: 334.