وحكى أبو الحسين السهيلي في كتاب “أدب الجدل” له في هذه المسألة خلافا غريبا فقال: إذا أجمعت الصحابة على قول، ثم أجمع التابعون على قول آخر، فعن الشافعي – رحمه الله – جوابان. أحدهما: – وهو الأصح – أنه لا يجوز وقوع مثله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أمته لا تجتمع على الضلالة. والثاني: لو صح وقوعه، فإنه يجب على التابعين الرجوع إلى قول الصحابة؛ لأنا لما وجدناهم مجمعين على قول واحد، علمنا كونهم مجمعين فيه، فلم يجز تركه بما يتحقق كونه حقا، وقيل: إن كل واحد منهما حق وصواب على قول من يقول إن كل مجتهد مصيب، وليس بشيء.
الحالة الثانية : في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف بأن يختلف أهل العصر على قولين في مسألة لم يقع الإجماع منهم على أحدهما. والتفريع على جواز صدوره عن الاجتهاد كما قاله إلكيا، فللخلاف حالتان:
إحداهما : أن لا يستقر، بأن يكون المجتهدون في مهلة النظر، ولم يستقر لهم قول، كخلاف الصحابة لأبي بكر – رضي الله عنه – في قتال مانعي الزكاة، وإجماعهم بعد ذلك. قال الشيخ في “اللمع”: صارت المسألة إجماعية بلا خلاف1. وحكى الهندي تبعا للإمام أن الصيرفي خالف في ذلك، ولم أره في كتابه، بل ظاهر كلامه يشعر بالوفاق في هذه المسألة.
والثانية : أنه يستقر، ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة، وفيه مسائل
إحداها : إذا اختلف أهل العصر على قولين، فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف الاتفاق على أحد القولين، والمنع من المصير إلى القول الآخر؟ فيه خلاف، وبتقدير وقوعه، هل يصير إجماعا متبعا أم لا؟ اختلفوا فيه بناء على مسألة انقراض العصر في الإجماع، فإن اشترطناه جاز وقوعه قطعا، وكان حجة، إذ ليس فيه ما يوهم تعارض الإجماعين على هذا الرأي؛ ولأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من إجماعهم على قول واحد، فإذا جاز الرجوع في الواحد المتفق عليه، ففي المختلف فيه أولى. والشرط كما قاله ابن كج: أن يرجع الجميع من قبل أن ينقرض منهم واحد، وإن لم يشترط، ففيه مذاهب:
أحدها : المنع مطلقا كما لو اتفقوا على قول، ثم رجعوا بأسرهم، ولتناقض الإجماعين، وبه قال القاضي أبو بكر، وإليه ميل الغزالي وغيره، ونقله ابن برهان في “الوجيز” عن
ـــــــ
1 انظر اللمع ص: 51.