البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص574

بشرط أن لا يظهر على أحد القولين دليل مقطوع به فهل لمن بعدهم الإجماع على أحد ذينك القولين؟ فيه قولان للشافعي رحمه الله، كما قاله أبو الحسين السهيلي في “أدب الجدل”. وأصحهما امتناعه، وكأنه حاضر، وليس موته مسقطا لقوله، فيبقى الاجتهاد، ولا يخرج الخلاف، وهو أصح الوجهين عند أصحابنا، ونصره الصيرفي في الدلائل،
ونقله القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ عنه عن ابن أبي هريرة، وأبي علي الطبري، وأبي حامد المروزي. ونقله الأستاذ أبو منصور عن الصيرفي وأكثر أصحاب الشافعي، وذكر الشيخ أبو إسحاق أنه قول عامة أصحابنا، وقول الشيخ أبي الحسن الأشعري1. ونقله القاضي في “التقريب” عن جمهور المتكلمين والفقهاء، قال: وبه نقول، وقال سليم الرازي: إنه قول أكثر أصحابنا، وأكثر الأشعرية، وكذا قال ابن السمعاني. وقال إمام الحرمين: إليه ميل الشافعي، قال: ومن عباراته الرشيقة: المذاهب لا تموت بموت أربابها، أي فكان الخلاف باقيا، وإن ذهب أهله2.
وقال إلكيا، وابن برهان: ذهب الشافعي إلى أن حكم الخلاف لا يرتفع. قلت: وهو يباين ما سبق عن الشافعي من امتناعه في العصر الواحد، فهاهنا، وقال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص: إنه أصح قولي الشافعي، وهو الذي نصره ابن القطان، ونقل أنهم قالوا: إنه مذهب الشافعي رضي الله عنه، أنه قال: حد الخمر أربعون؛ لأنه مذهب الصديق رضي الله عنه، وقد أجمعوا بعد هذا على أن حده ثمانون؛ لأنهم قالوا: نرى أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وقد أجمعوا على هذا، ولم نعده إجماعا؛ لسبق خلاف الصديق رضي الله عنه.
قلت: ولا يشكل على ذلك أنه نقض في الجديد قضاء من حكم ببيع أمهات الأولاد لأجل اتفاق التابعين بعد خلاف الصحابة، فعد إجماعا، فإنه إنما اعتبر في ذلك إجماع الصحابة؛ لأنهم كانوا أجمعوا على المنع، وكان علي رضي الله عنه فيهم، وانقراض العصر ليس بشرط، واختاره الإمام والغزالي.
والثاني : أنه جائز، وبه قال أكثر الحنفية، منهم: محمد بن الحسن، وأبو يوسف، والكرخي. قال محمد بن الحسن في قاض حكم ببيع أم الولد بعد موت مولاها: إني أبطل قضاءه؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانت اختلفت فيها، ثم أجمع بعد ذلك
ـــــــ
1 انظر اللمع ص: 52.
2 انظر البرهان 1/715.

اكتب تعليقًا