البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص577

بعد اختلاف، فلا بد أن يكون هناك خلاف، وإن لم يبلغنا، وإلا لأدى إلى تعارض الإجماعين، ذكره عبد الوهاب.
الحالة الثالثة : في حدوث الخلاف بعد تقدم الإجماع . قال الروياني في “البحر”: فإن كان في عصر واحد، مثل أن يتقدم إجماع الصحابة، ثم يحدث من أحدهم خلاف، فهذا الخلاف الحادث يمنع انعقاد الإجماع، يعني إن شرطنا انعقاد العصر، وإلا فلا.
وإن كان في عصرين، كإجماع الصحابة، وخلاف التابعين لهم، فهو ضربان. أحدهما: أن يخالفوهم مع اتفاق الأصول في المجمع عليها، فهذا الخلاف الحادث مطروح، والإجماع الأول منعقد. ثانيهما: أن يحدث في المجمع عليه صفة زائدة أو ناقصة، فيحدث الخلاف فيها لحدوث تلك الصفة، فيكون الإجماع في الصفات المختلفة منعقدا، وحدوث الاختلاف في الصفات المختلفة سائغ عند الشافعي وجمهور العلماء.
وقال داود وبعض أهل الظاهر: يستصحب حكم الإجماع، واختلاف الصفة الحادثة لا ينتج الحكم فيها إلا بدليل قاطع، وجعلوا استصحاب الحال حجة في الأحكام. مثاله: أن ينعقد الإجماع على إبطال التيمم برؤية الماء قبل الصلاة، فإذا رأى الماء في الصلاة أبطلوا تيممه استصحابا لبطلانه قبل الصلاة من غير أن يجمعوا بينهما بقياس، وهذا فاسد، ولكل حادث حكم يتجدد، وإنما يكون الإجماع حجة في الحال التي ورد فيها لا في غيرها، إلا أن يكون القياس موجبا لاستصحاب حكمه، فإن الإجماع أصل تجويز القياس عليه، فيكون القياس هو الذي أوجب استصحاب حكم الإجماع لا الإجماع. ا هـ.
وذكر القفال في كتابه قريبا من هذا التفصيل، وقال في “القواطع”: إذا حدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد، فهو على ضربين. أحدهما: أن يكون المخالف لم يوافق قبل على خلافه، فيصح خلافه، ولا ينعقد مع خلافه الإجماع، كما خالف ابن عباس في العول مع إجماع غيره. والثاني: أن يكون وافقهم ثم خالفهم، كخلاف علي في بيع أمهات الأولاد بعد اتفاقه مع عمر وسائر الصحابة في تحريم بيعهن. فمن جعل انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع أبطل الإجماع بخلافه؛ لحدوثه قبل استقراره، ومن لم يجعله شرطا أبطل خلافه بعد إجماعهم.
ثم قال: الاختلاف بعد الإجماع إن كان في عصر انبنى على أن انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أو لا؟ فإن قلنا: شرط، جاز الاختلاف؛

اكتب تعليقًا