البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج3 ص581

عقد البكر دون الثيب، مع أن الخلاف هل يلزم فيهما، أو لا يلزم فيهما؟ وأنكر ابن حزم على من نسبه لداود، وإنما قال كلاما معناه: أن القولين إذا رويا، ولم يصح أنهم أجمعوا عليهما، ولم يرد عن جماعة منهم أو واحد إنكار ولا تصويب، أن لمن جاء بعدهم أن يأتي بقول ثالث يدل عليه النص أو الإجماع، فهذا ما قاله أبو سليمان، فكيف يسوغ أن ينسب هذا إليه، وهو يقول: إن الأمة إذا تفرقت على قولين، وكانت كل طائفة منهم قد قرنت بقولها في تلك المسألة مسألة أخرى، فإنه ينبغي أن يحكم لتلك المسألتين بحكم واحد، فإن صحت إحدى المسألتين فالأخرى صحيحة، ولذلك حكم بالتحليف بمكة عند المقام لإجماع القائلين بذلك على التحليف عند المنبر، فيصح وجوبه عند الزحام بمكة.
قال ابن حزم: وهذا القول وإن كنا لا نقول به، فقد قاله أبو سليمان، وأردنا تحرير النقل عنه، وإنما قال: إن الخلاف إذا صح فالإجماع على بعض تلك الأقوال المختلف فيها لا يصح أبدا، وصدق في ذلك.
وهذا كالخلاف في حد شارب الخمر، قيل: لا حد عليه، وقيل: أربعون، وقيل: ثمانون. فهذا لا ينعقد عليه إجماع أبدا.
والثالث : وهو الحق عند المتأخرين أن الثالث إن لزم منه رفع ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه، وإلا جاز، وكلام الشافعي في “الرسالة” يقتضيه، حيث قال في أواخرها1: القياس تقدم الأخ على الجد، لكن صدنا عن القول به أني وجدت المختلفين مجتمعين على أن الجد مع الأخ مثله أو أكثر حظا منه، فلم يكن لي عندي خلافهم، ولا الذهاب إلى القياس، والقياس مخرج من جميع أقاويلهم. ا هـ. وإنما منعه؛ لأن في إحداث قول ثالث رفعا للإجماع، وأما حيث لا رفع فتصرفه يقتضي جوازه، وقضية كلام الهروي في “الإشراف” أنه مذهب الشافعي، فإنه قال: ومن لفق من القولين قولا على هذا الوجه لا يعد خارقا للإجماع كما ذكرنا في وطء الثيب، هل يمنع الرد بالعيب؟ تحزبت الصحابة حزبين: ذهبت طائفة إلى أنه يردها، ويرد معها عقرها، وذهب حزب إلى أنه لا يرد، فأخذ الشافعي في إسقاط العقر بقول حزب، وفي تجويز الرد بقول حزب، ولم يعد ذلك خرقا للإجماع. ا هـ.
ولعله مبني على أنه لا يجوز حدوث إجماع بعد إجماع سابق على خلافه. فإن
ـــــــ
1 انظر الرسالة ص: 595.

اكتب تعليقًا