قلنا بالجواز، كما ذهب إليه البصري، فالظاهر الجواز، لكنه لا يقع. وقد اعترض بعض الحنفية على اختيار الثالث، وقال: لا معنى له؛ لأنه لا نزاع في أن القول الثالث إن استلزم إبطال ما أجمعوا عليه كان مردودا، والخصم يستلزم هذا، لكن يدعي أن القول الثالث يستلزم إبطال ما أجمعوا عليه في جميع الصور، إما في صورة واحدة كما في مسألة العدة وحرمان الجد، وإما في مجموع المسألتين في مسألة الزوج، والزوجة مع الأبوين أحد الشمولين ثابت، وهو ثلث الكل في كليهما، أو ثلث الباقي في كليهما. فثلث في أحدهما دون الآخر خلاف الإجماع. قال: فالشأن في تمييز صورة يلزم منها بطلان الإجماع عن صورة لا يلزم ذلك، فلا بد من ضابط، وهو أن القولين إن اشتركا في أمر هو في الحقيقة واحد، وهو من الأحكام الشرعية، فحينئذ يكون الثالث مستلزما لإبطال الإجماع وإلا فلا، وعند ذلك فالمختلف فيه إما حكم يتعلق بمحل واحد، كمسألة الجد مع الإخوة والعدة، أو متعدد. فإن كان الثابت عن البعض الوجود في صورة مع العدم في الأخرى، وعند البعض عكس ذلك، كمسألة الخروج والمس، فإن القول بأن كلا منهما ناقض أو ليس بناقض، لا يكون خلاف الإجماع.
تنبيهات
الأول : ذكر القولين مثال، فالثلاثة وأكثر كذلك، كما قاله الصيرفي، ومثله بأقوالهم في الجد. قال: فلا يجوز إحداث قول سوى ما تقدم؛ لأنه كاتفاقهم على أنه لا قول سوى هذه الأقوال.
الثاني : أن الصيرفي أيضا فرض المسألة في اختلاف الصحابة، فقد توهم التفصيل بين ما أجمع على أنه حجة فيمتنع فيه الإحداث دون غيره، وليس ببعيد.
الثالث : أنه نبه أيضا على تصورها بالاختلاف المستفيض فيهم. قال: فأما ما حكى من فتوى واحد، ولم يستفض قوله، فيجوز الخروج عنه إلى ما أيده دليل، ويخرج منه مذهب آخر مفصل بين الإجماع السكوتي وغيره.
الرابع : قال العبدري: إنما يصح فرض هذه المسألة على مذهب من يجوز الإجماع عن اجتهاد وقياس، وعلى أن تكون اجتهادية يتجاذبها أصلان، فيجمع الصحابة على أنه يجوز أن يلحق بهذا الأصل، فيكون حلالا، ويجوز أن يلحق بهذا الأصل، فيكون حراما، فإذا لم ينقرض إلا على هذا الوجه، فإحداث قول ثالث ورابع وأكثر جائز؛ لأنها اجتهادية، ولا حصر في المجتهدات.