الظاهر والنظام إلى امتناعه عقلا وشرعا, وإليه مال أحمد في قوله: يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس, وقد تأوله القاضي أبو يعلى على ما إذا كان القياس مع وجود النص مخالفا له لأنه حينئذ يكون فاسد الاعتبار.
وثانيها : هل دلالة السمع عليه قطعية أو ظنية؟ وبالأول قال الأكثرون, وبالثاني قال أبو الحسين والآمدي.
وثالثها : قيل: إنما يعمل به إذا كانت العلة منصوصة1 أو بطريق الأولى. والجمهور على وجوب العمل به مطلقا.
وأما المنكرون للقياس, فأول من باح بإنكاره النظام, وتابعه قوم من المعتزلة كجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ومحمد بن عبد الله الإسكافي, وتابعهم من أهل السنة على نفيه في الأحكام داود الظاهري.
قال أبو القاسم عبد الله بن عمر بن أحمد الشافعي البغدادي في كتاب في القياس, مما حكاه عنه ابن عبد البر في كتاب جامع العلم”: ما علمت أحدا سبق النظام إلى القول بنفي القياس والاجتهاد, ولم يلتفت إليه الجمهور, وخالف أبو الهذيل فيه ورده عليه “انتهى”.
وقرر الناقلون بحث الظاهرية فقال ابن عبد البر في كتاب “العلم”: لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام إلا داود فإنه نفاه فيهما جميعا قال: ومنهم من أثبته في التوحيد ونفاه في الأحكام. وأطلق القاضي أبو الطيب عن داود والنهرواني والمغربي والقاشاني أن القياس محرم بالشرع.
وقال الأستاذ أبو منصور: فأما داود فإنه زعم أن لا حادثة إلا وفيها حكم منصوص عليه في القرآن أو السنة أو مدلول عليه بفحوى النص ودليله, وذلك مغن عن القياس. فمنها ما ذكره الله مفصلا, ومنها ما أجمل ذكره في القرآن وأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتفصيل والبيان, ومنها ما اتفقت عليه الأمة. وما ليس فيه نص ولا إجماع فحكمه الإباحة بعفو الله سبحانه عن ذكره, وتركه النص على تحريمه, أو بإخبار عن فاعل فعله من غير ذم له على فعله, أو تورد الرواية عما فعل بحضرته عليه السلام فلم ينكره.
وقال ابن القطان: ذهب داود وأتباعه إلى أن القياس في دين الله تعالى باطل
ـــــــ
1 انظر الإحكام للآمدي “3/435”.