البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص17

لسبب من الأسباب استدل به على حكم كل ما وجد فيه مثل ذلك السبب إن لم يمنع منه دليل شرعي. ونقل عن النهرواني أنه قال: استدل على الفأرة تقع في السمن على السنور إذا وقع قال: وهذا منهما اعتراف بالقياس.
وقال أبو بكر الصيرفي في “أصوله”: المنكرون للقياس كأنهم أنكروا التسمية وإلا فهم يعترفون به, وهو المغربي وأبو سعيد النهرواني والقاشاني. أما القاشاني فإنه يزعم أنه يستدل بأن الكلام إذا شرع على سبب في شخص, فالحكم للسبب فيما عدا ذلك الشخص وأنه يساويه, فإن جرى علم صحته وإن لم يجر علم بطلانه, ويدعي أنه يبطل القياس, فهل قال أصحاب القياس شيئا غير هذا؟ وأما النهرواني فإنه يزعم أنه يستدل بالفأرة تقع في السمن على السنور, وزعم أن المراد النجاسة ثم سلكا في النفقات والأشياء الظاهرة الجلية أنها معقولة عن الخطاب ومعلومة بالعادة. فهؤلاء ما اهتدوا قط لنفي القياس. ولم ينف القياس قط في الأحكام غير إبراهيم “يعني النظام” من المتكلمين وأتباعه, ومن الفقهاء داود ومن بعده, وكل هؤلاء يزعم أنه لو قيل لنا: حرمت الخمر لأنها حلوة لم يحرم غيرها من كل حلو, وسواء عليه قال: لأنه حلو أو لم يقل. انتهى.
وقال في موضع آخر: وقد نقل عن النظام إنكار القياس, على أنه قد قال إن الشيء إذا تقدمت إباحته في الجملة واحتاج إلى العبرة اعتبر بعضه ببعض, ونص على إيجاب النفقات للأزواج وأنه اعتبر بنظائرها, وهذا هو الذي قاله القياسيون: إن القياس لا يوجب ابتداء الحكم ووضعها, فإذا وضعت الأصول واحتيج إلى تمييزها والتنفيذ للحكم استدل ببعضها على بعض كما ذكر هذا الرجل في النفقات انتهى.
وقال ابن كج: النافي للقياس قائل به في كثير من المسائل, فمنه رجم الزاني قياسا على ماعز, وإراقة الزبد المتنجس قياسا على السمن, وجواز الخرص والمساقاة قياسا على الكرم, ومنع التضحية بالعمياء قياسا على العوراء, وأن حكم الحاكم وهو يدافع الأخبثين مكروه قياسا على الغضب.
وقال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم: وداود وإن أنكر القياس فقد قال بفحوى الخطاب وقد جعله قوم من أنواع القياس. وقال أبو الحسن السهيلي في أدب الجدل له: كل من منع كون القياس حجة فإنه يستدل به ثم يسميه باسم الاستدلال والاستنباط أو الاجتهاد أو دليل الشرع أو غيره.
واعلم أن النظام إنما أنكر القياس في شريعتنا خاصة, ولم ينكر القياس العقلي

اكتب تعليقًا