البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص20

قد صنفا في القياس نحو ألف ورقة, هذا في نفيه, وهذا في إثباته.
اعتمد القاشاني فيه على قوله: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [سورة العنكبوت: 51] واعتمد ابن سريج في إثباته على قوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [سورة الحشر: 2] ونقل القاضي أبو بكر في التقريب اتفاق أهل اللغة على أن الاعتبار اسم يتناول تمثيل الشيء بغيره, واعتباره به, وإجراء حكمه عليه, والتسوية بينهما في ذلك. وإنما سمي الاتعاظ والفكر اعتبارا; لأنه مقصود به التسوية بين الأمر ومثله, والحكم فيه بحكم نظيره, ولولا ذلك لم يحصل الاتعاظ والازدجار عن الذنب بنزول العذاب والانتقام بأهل الخلاف والشقاق, ثم حكي ما سبق عن ثعلب.
وزعم ابن حزم أن المراد بالاعتبار التعجب بدليل سياق الآية, وافقه ابن عبد السلام فقال في القواعد: من العجيب استدلالهم بهذه الآية على جواز القياس مع أن الاعتبار في الآية يراد به الاتعاظ والازدجار, والمطلق إذا عمل به في صورة خرج عن أن يكون حجة في غيرها بالاتفاق قال: وهذا تحريف لكلام الله عز وجل عن مراده إلى غير مراده, ثم كيف ينتظم الكلام مع كونه واعظا بما أصاب بني النضير من الجلاء أن يقرن ذلك الأمر بقياس الدخن على البر والحمص على الشعير, فإنه لو صرح بهذا لكان من ركيك الكلام وإدراجا له في غير موضعه وقرانا بين المنافرات انتهى.
والعجب من الشيخ, فإن العبرة بعموم اللفظ, فإن منع قلنا: هذا يرجع إلى قياس العلة لأن إخراجهم من ديارهم وتعذيبهم قد رتب على المعصية فالمعصية علة لوقوع العذاب, فكأنه قال: تقعوا في المعصية فيقع بكم العذاب, قياسا على أولئك, فهو قياس نهي على نهي, بعلة العذاب المترتبة على المخالفة.
قال الماوردي: وفي الاعتبار وجهان:
أحدهما : أنه مأخوذ من العبور, وهو يجاوز المذكور إلى غير المذكور, وهذا هو القياس.
والثاني : من العبرة وهو اعتبار الشيء بمثله, ومنه عبر الخراج أي قياس خراج عام بخراج غيره في المماثلة. وفي كلا الوجهين دليل القياس لأنه أمر أن يستدل بالشيء على نظيره, وبالشاهد على الغائب.
واحتج الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة1 بقوله تعالى: {فجزاء مثل ما
ـــــــ
1 انظر الرسالة ص “490- 492”

اكتب تعليقًا