البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص29

دم عرق. قال أبو الحسين: وأوجب أبو هاشم القياس بها وإنما لم يرد التعبد بالقياس, وصار بعض الظاهرية إلى أنه ليس بإذن, بل لا بد معه من دليل, ونقله الآمدي عن الأستاذ أبي إسحاق وأكثر الشافعية, واختاره تبعا للإمام والغزالي. وقال سليم الرازي: إنه قول أكثر أصحابنا, وعليه الفقهاء والمتكلمون, لجواز أن يكون ذكر العلة لتعريف الباعث على الحكم ليكون أقرب إلى الاعتبار لا لأجل الإلحاق. ويقوى القول بهذا إذا قلنا: إن الدليل الدال على وجوب التعبد بالقياس يجب أن يكون قطعيا, فإن غاية هذا الظن.
فإن قيل: النص على العلة في نحو حرمت الخمر لشدتها لو لم يعتبر التعميم لم يكن له فائدة. قلنا: له فوائد:
منها : معرفة الباعث كما سبق.
ومنها : زوال الحكم عند زوال العلة كزوال التحريم عند زوال الشدة.
ومنها ما سيأتي في فائدة العلة القاصرة من انقياد المكلف إلى الامتثال لظهور المناسب. ومرادهم بالدليل تقدم الإذن بالقياس, ولهذا فصل1 جعفر بن حرب وابن مبشر شيخا المعتزلة بين أن يرد قبل ورود التعبد بالقياس ولا يجوز تعد به وإلا جاز, واختاره أبو سفيان من الحنفية, وفصل أبو عبد الله البصري بين إن كان الحكم المنصوص عليه من قبيل المحرمات فهو إذن, وإن كان من قبيل المباح أو الواجب فلا. قال الهندي: والمختار أن ذلك لا يفيد ثبوت الحكم في غير الصورة التي نص عليها, لا بطريق اللفظ ولا بطريق أنه يفيد الأمر بالقياس. وهنا تنبيهان :
الأول : أن القائلين بالاكتفاء مطلقا هم أكثر نفاة القياس, ولا يستنكر ذلك منهم لأنهم يرون أن التنصيص على علة الحكم تنزل منزلة اللفظ العام في وجوب تعميم الحكم ولا فرق عندهم بين أن يقول: حرمت الخمر لإسكارها أو حرمت على كل مسكر, كما صرح به الصيرفي في كتابه.
هذا تحرير مذهب النظام وغيره ومنكري القياس فكأنه أنكر تسمية هذا قياسا وإن كان قائلا به في المعنى. وكذا نقله القاضي عبد الوهاب في الملخص وسليم في التقريب وغيرهما, وقد سبق في باب العموم المعنوي أن تعميم مثل هذا هل هو بالقياس أو الصيغة؟ قولان للشافعي, والصحيح أنه عمم بالقياس: وقال الهندي:
ـــــــ
1 انظر المعتمد “2/725”.

اكتب تعليقًا