العكس الملازمة الثابتة بين الشيئين: الملزوم نقيض المطلوب, واللازم منتف. والدليل على الملازمة القياس, كقولنا: لو لم تجب أولا على الصبي لما وجبت على البالغ, قياسا على الوجوب على الصبي, واللازم منتف إجماعا فينتفي الملزوم. انتهى وقد وقع في الكتاب والسنة استعمال هذا النوع, قال الله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [سورة الانبياء: 22] وقال صلى الله عليه وسلم: “وفي بضع أحدكم صدقة”, قالوا: يا رسول الله, يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: “أرأيتم لو وضعها في حرام يعني: أكان يعاقب”؟ قالوا: نعم, قال: “فمه” يعني: أنه إذا وضعها في حرام يأثم, كذلك إذا وضعها في حلال1 فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم نقيض حكم الوطء المباح وهو الإثم في غيره وهو الوطء الحرام, لافتراقهما في علة الحكم وهو كون هذا مباحا وهذا حراما.
وقد اختلف في تسميته قياسا فقيل: إنه قياس حقيقة, وقال صاحب المعتمد هو قياس مجازا, وقيل: لا يسمى قياسا, وبه صرح ابن الصباغ في “العدة”, لأن غايته تمسك بنظم التلازم وإثبات لإحدى مقدمته بالقياس. وذكر الشيخ أبو إسحاق في الملخص أن الشافعي رحمه الله تعالى احتج به على أبي حنيفة في إبطال علته في الربا في الأثمان فقال: لو كان الفضة والحديد يجمعهما علة واحدة في الربا لم يجز استلام أحدهما في الآخر, وكذلك الحنطة والشعير لو جمعهما علة واحدة لم يجز استلام. أحدهما في الآخر, فلما جاز بالإجماع استلام الفضة في الحديد دل على أنه لم يجمعهما علة واحدة.
قال: واختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين: أحدهما: أنه لا يصح, “وأصحهما” وهو المذهب أنه يصح. وقد استدل به الشافعي في عدة مواضع, والدليل عليه أن الاستدلال بالعكس استدلال بقياس مدلول على صحته بالعكس, وإذا صح القياس في الطرد وهو غير مدلول على صحته فلأن يصح الاستدلال بالعكس وهو قياس مدلول على صحته أولى, ويدل عليه أن الله تعالى دل على التوحيد بالعكس فقال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [سورة الانبياء: 22] ودل على أن القرآن من عنده بالعكس, قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [سورة النساء: 82].
قلت: وقد احتج به الشافعي في المختصر فقال في زكاة الخلطة: ولما لم أعلم
ـــــــ
1 حديث صحيح سبق تخريجه قريبا.