السرقة وللمانعين مسلكان:
أحدهما : أن الجمع بين السببين لا يتأتى إلا بحكمة السبب, بخلاف الجمع بين الأصل والفرع, فإنه يقع بالأوصاف. قالوا: والحكم خفية لا تنضبط, والأوصاف ظاهرة منضبطة, ولا يصح التعليل بما لا ينضبط, فلو فرضنا انضباط الحكم ففي جواز التعليل بها خلاف, فإن أجزناه فلا يقاس في الأسباب بل نقيس الفرع بالحكمة المنضبطة, ويستغنى عن توسيط السبب, وإن منعناه بطل القياس في السبب.
والثاني : أن القياس في الأسباب يؤدي إثباته إلى أصالته بخلاف القياس في الأحكام. وبيانه أن القياس في الأحكام يقرر الأصل أصلا ويلحق به فرعا, والقياس في الأسباب يبطل كون السبب المقيس عليه سببا, ويحقق أن السببية أمر أعم منه, وهو القدر المشترك بين السببين, ويؤول الأمر إلى أنه لا أصل ولا فرع فلا قياس, فقياس النبيذ على الخمر لم يغير حكم الأصل, ولا إضافة التحريم إليها, وقياس اللواط على الزنى غير كون الزنى سببا وصير السبب “الإيلاج” المشترك بين المحلين, فيصدق على الزنى أنه ليس بسبب إن فرضناه سببا.
وأما المجوزون فاحتجوا بأمر جلي وهو انسحاب الإجماع عليه لأن أهل الإجماع استرسلوا في الأقيسة, ولو ذهبنا نشترط في كل صورة إجماعا خاصا بها لاستحال, فالقياس في السبب كالقياس في الإجارة مثلا فلا يحتاج إلى إجماع خاص “قال”: وينبغي أن يرتفع الخلاف في هذه المسألة; لأن الأسباب لا تنتصب بالاستنباط, وإنما تنتصب بإيماء النص والإجماع, وإذا فرضنا القياس في الأسباب فلا بد أن نفرض فيها جهة عامة كالإيلاج, وجهة خاصة لكونه فرجا لآدمية, وهو الذي يسمى زنى بلفظ السبب, ويتناول أمرين أعم وأخص, ولا ينتظم القياس إلا بحذف الأخص عن درجة الاعتبار ليتغير الأعم, إذ لو كان الأخص باقيا على تقييده لاستحال القياس, وإذا حذف الأخص عن كونه مراد اللفظ بقي الأعم وهو مراد النص, وحينئذ يكون القياس في الأسباب تنقيح مناط, وتنقيح المناط, حاصله تأويل ظاهر, وهو يتوقف على دليل, فينبغي أن يقع الاتفاق على قبول المسلك الذي سماه من سماه قياسا في الأسباب, لاتفاقنا على قبول تأويل الظاهر بالدليل, فلا حجر في التسمية, ولا منع من تسميته قياسا, لأن فيه صورة النطق في موضع والسكوت في موضع, ووجود قدر مشترك بين الموضعين وهو سبب الاشتراك في الحكم, غير أن امتياز المحلين نطقا وسكوتا إنما كان مبنيا على الظاهر الذي قام أنه غير مراد, فلهذا تكدرت التسمية والخطب يسير.