البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص77

أرباب المذاهب فأقوال مقلديهم وإن كانت فروعا تنزل بالنسبة إلى المقلدين منزلة أقوال الشارع عند المجتهدين, فإذا حفظ من إمامه فتيا وفهم معناها جاز له أن يلحق بها ما يشابهها على الصحيح, خلافا لمحمد بن يحيى, وهو المعبر عنه “بالتخريج “وجعل إلكيا محل الخلاف في هذا فيما لم يكن الحكم في الفرع بنص أو دليل نص يستدل به على مثله, ويكون الفرع الثاني مثلا, فإن كان كذلك فلا يمتنع منه قطعا كما أن الحكم ثبت بالنص ومع ذلك يمتنع حمل الفرع عليه بعلة, فرجع حاصل الخلاف إلى أن الذي ثبت بالقياس لا يجوز أن يجعل أصلا وما لا يثبت بالقياس من المختلف فيه يجوز أن يجعل أصلا إذا كان ثبوته بعموم أو نص أو غيره, لأنه يخرج بذلك عن كونه فرعا ثابتا بالقياس قال: وهذا قول الأصوليين وهو يستدعي البناء على أصل وهو أن الحكم الواحد هل يجوز إثباته بعلتين مختلفتين؟ فإن قلنا: يمتنع, نشأ منه أن الفرع لا يجوز أن يجعل أصلا لفرع آخر.
تنبيه إذا منعنا أن يكون حكم الأصل قياسا, يستثنى منه صورتان:
إحداهما : القياس الذي قاسه النبي صلى الله عليه وسلم إذا جوزنا له الاجتهاد.
والثانية : التي أجمعت الأمة على إلحاقه بالأصل, ذكره الغزالي في مسألة الاجتهاد وستأتي.
خامسها: أن لا يكون دليل حكمه شاملا لحكم الفرع1, لأنه لو عمه لخرج عن كونه فرعا وضاع القياس, لخلوه عن الفائدة بالاستغناء بدليل الأصل عنه, ولأنه حينئذ لا يكون جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا أولى من العكس, وقد ينازع فيه. ومثاله: السفرجل مطعوم, فيجري فيه الربا قياسا على البر, ثم يستدل على علية الطعم بقوله: “لا تبيعوا الطعام بالطعام” . وجوز آخرون ذلك نظرا إلى أن المستدل إذا ذكر دليلا له مدلولان وتمسك بأحد مدلوليه على مرامه لا يقتضي الحكم تكليفه التمسك بمدلوله الآخر, كما لو كان مدلوله الآخر غير محل النزاع, والمذهب الأول.
والفرق أن الدلالة على العلة إنما تراد لإثبات محل النزاع, فالدلالة على ثبوتها بما يغني عن ثبوتها لا فائدة فيه, بخلاف ما إذا كان المدلول الآخر محل النزاع وقد وجه الرافعي وغيره من الأصحاب أحد القولين في اشتراط الحلول في زكاة المعدن, بالقياس
ـــــــ
1 اظر الإحكام للآمدي “3/286” الإبهاج “3/102” المستصفى “2/326”

اكتب تعليقًا