البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص79

جامعا, وصفان يصلح كل منهما أن يكون علة, كما في قياس حلي البالغة على حلي الصبية, فإن عدم الوجوب في حلي الصبية متفق عليه بين الخصمين لكن لعلتين مختلفتين, فإنه عندنا لعلة كونه حليا, وعندهم لعلة كونه مالا للصبية, والمعترض على أحد الحسنيين لأن علته إن كانت هي الصحيحة في نفس الأمر انقطع قياس خصمه, وإن كانت علة المعترض هي الباطلة منع حكم الأصل فانقطع القياس أيضا.
واعلم أنه لم يسم مركبا لاختلاف الحكمين في علة حكم الأصل فقط, كما صار إليه بعضهم, وإلا لكان كل قياس اختلف في علة أصله مركبا, وهو باطل, بل لاختلاف الخصم في تركيب الحكم على العلة في الأصل فإن المستدل. يزعم أن العلة مستنبطة من حكم الأصل وهي فرع له, والمعترض يزعم أن الحكم في الأصل فرع على العلة ولا طريق إلى إثباته سواها, ولذلك يمتنع ثبوته عند انتفائها وبطلانها. وإنما سمي تركيب الأصل لأنه نظر في حكم الأصل.
وإن كان لعلة, ولكن منع الخصم وجودها في الفرع فيسمى مركب الوصف لأجل اختلافهم في نفس الوصف الجامع هل له وجود في الأصل أم لا؟ وسمي تركيبا في الوصف لأن الحكم الذي وقع التركيب في علته وقع جامعا في القياس فأطلق عليه وصفا لأن أصل الجمع بالأوصاف.
ومثاله اختلاف أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما في قتل المسلم بالذمي مع اتفاقهما على أن الأب لا يقتل بالولد, فإذا قاس الشافعي الفرع بالأصل أمكنه أن يجمع بينهما بحكم متفق عليه مختلف في علته, وذلك الحكم كون المسلم لا يقتل بالذمي إذا قتله بالمثقل, يلزم من ذلك أن لا يقتل به إذا قتله بالمحدد, لأن الأب لا يقتل بابنه باتفاقهما محددا أو مثقلا. فالحاصل أنه أخذ من اجتماع الحكمين في الأب واستوائهما في حقه استواؤهما في حق المسلم والذمي, لكن العلة مختلفة في قتل المسلم بالذمي بالمثقل: فعند أبي حنيفة لكونه مثقلا, وعند الشافعي لعدم التكافؤ. وكلام الهندي يقتضي تخصيص القياس المركب بالأول فلم يذكر هذا الثاني, والأصح تناوله للقسمين جميعا, وعليه جرى الآمدي وابن الحاجب وغيرهما وقد اختلفوا فيهما, فقبلهما جماعة, والمختار أنهما لا يقبلان, لأن الأول لا ينقل عن عدم العلة في الفرع أو منع حكم الأصل, والثاني لا ينقل عن عدم العلة في الأصل أو منع حكم الأصل. وقال إمام الحرمين في البرهان: أما مركب الأصل فمنه الشيء المتفاحش ومنه ما لا يتفاحش, كقوله: أنثى فلا تزوج نفسها كبنت خمس عشرة, فالذي ذهب إليه طوائف من الجدليين أنه

اكتب تعليقًا