يقتضي الحكم بواسطة أو بوسائط, ولذلك يتراخى الحكم عنها حتى توجد الشرائط وتنتفي الموانع. وأما العلة فلا يتراخى الحكم عنها, إذا اشترط لها, بل هي أوجبت معلولا بالاتفاق, حكى الاتفاق إمام الحرمين والآمدي وغيرهما.
وأما الأصولي: فقال الآمدي في جدله: العلة في لسان الفقهاء تطلق على المظنة أي الوصف المتضمن لحكمة الحكم, كما في القتل العمد العدوان, فإنه يصح أن يقال: قتل لعلة القتل, وتارة يطلقونها على حكمة الحكم, كالزجر الذي هو حكمة القصاص, فإنه يصح أن يقال: العلة الزجر. وأما السبب: فلا يطلق إلا على مظنة المشقة دون الحكمة إذ بالمظنة يتوصل إلى الحكم لأجل الحكمة. انتهى.
وأما الفقهي فقال إلكيا: يطلق السبب في اصطلاح الفقهاء على أربعة أمور:
أحدها : السبب الذي يقال: إنه مثل العلة كالرمي, فإنه سبب حقيقة إلا أنه في حكم العلة, لأن عين الرمي لا أثر له في الحكم حيث لا فعل منه, ومنه الزنى.
الثاني : ما يكون الطارئ مؤثرا ولكن تأثيره مستند إلى ما قبله, فهو سبب من حيث استناد الحكم إلى الأول لا استناد الوصف الآخر إلى الأصل.
الثالث : ما ليس سببا بنفسه ولكن يصير سببا بغيره, كقولهم: القصاص وجب ردعا وزجرا, ثم قالوا: وجب لسبب القتل, إذ القتل علة القصاص, فقطعوا الحكم عن العلة, وجعلوه متعلقا بالعلة, والعلة غير الحكم. واعلم أنه لولا الحكمة لكان الحكم صورة غير صالحة للحكم, فبالحكمة خرج عن كونه صورة, والعلة صارت جالبة للحكم بمعناها لا بصورتها, ودون الحكمة لا شيء إلا صورة الفعل, والصورة لا تكون علة قط, فعلى هذا, الحكمة راجعة إلى العلة فلا علة بدونها, والخلاف يرجع إلى اللفظ.
الرابع : ما يسمى سببا مجازا من حيث إنه سبب لما يجب, كقولهم الإمساك سبب القتل, وليس سبب القتل حقيقة, فإنه ليس يفضي إلى القتل, بل القتل باختيار القاتل, ولكنه سبب للتمكن من القتل بإلحاق, وقيل: سبب القتل. فالأسباب لا تعدو هذه الوجوه. انتهى. وقال في “تعليقه”: المتكلمون لا يفرقون بين العلة والسبب, والفقهاء يقولون: العلة هي التي يعقبها الحكم, والسبب ما تراخى عنه الحكم ووقف على شرط أو شيء بعده. وفرق غيره بين السبب والحكمة, بأن السبب يتقدم على الحكم, والحكمة متأخرة عن الحكم, والحكم مفيد لها, كالجوع سبب الأكل, ومصلحة رفع الجوع وتحصيل الشبع حكمة له.