البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص114

النفوس, وهو باعث على الثاني لا الأول, وكذا حفظ المال بقطع السرقة, وحفظ العقل باجتناب الخمر ونحوه, وكان بعضهم يجمع بينهما ويقول في تفسير المتكلمين: إن الأحكام وقعت على وفق المصالح لا أنها علة لها, وهذا وحده لا ينشرح له الصدر. انتهى.
نعم حكاية الإجماع مردودة فإن أبا الحسين بن القطان من قدماء أصحابنا اختار في كتابه أن الأحكام جميعها إنما ثبتت بالعلة, إلا أن منها ما يقف على معناه, ومنها ما لا يقف, وليس إذا خفيت علينا العلة أن يدل على عدمها, فقد أوجب الله تعالى علينا السعي والاضطباع لعلة سبقت في غيرنا. ثم قال: وذهب بعض الحنفية إلى أنه ليس كل الأحكام تعلل, بل منها ما هو لعلة, ومنها ما ليس له علة. قال: وهذا خطأ, لأن الواضع حكيم.
وحكى ابن الصلاح في “فوائد رحلته”, عن كتاب العلل في الإحكام للقاسم بن محمد الزجاج تلميذ أبي الطيب بن سلمة من أصحابنا: اختلف القياسون في العلل, فقال قوم منهم بنفي العلل, وزعموا أن تشبيه الشيء بالشيء على ما يغلب في النفس, لا أن ثم له علة توجب الجمع بين الشيئين, وزعموا أنه لم ينقل لهم عن أحد من الصحابة العلل, وقد حكي عن جميعهم القياس, فقلنا بالتشبيه إذ هو منقول عنهم ولم يعلل بالعلل. قال: واختلفوا في أن كل حكم لا بد له من علة, فقال قوم: ما أعلمنا الله علته قلنا: إنه لعلة, وما لم يعلمنا علته لم نقطع أنه لعلة بل جوزنا فيه أحد الأمرين. قال: وهذا عندي هو الأصح. انتهى. وقال الإمام الرازي في “الأربعين”: اتفقت المعتزلة على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية مصالح العباد, وهو اختيار المتأخرين من الفقهاء. وهو عندنا باطل. إلى آخره1.
وقال إلكيا: فصل: في أن الأحكام الشرعية هل وضعت لعلل حكمية أم لا؟ ذهب بعضهم إلى امتناع أن يتعبد الله عباده بما لا استصلاح فيه. وهذا قول مرغوب عنه. ونحن وإن جوزنا أن يتعبد الله عباده بما شاء, ولكن الذي عرفناه من الشرائع أنها وضعت على الاستصلاح, دلت آيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ملاءمة الشرع للعبادات الجبلية والسياسات الفاضلة وأنها لا تنفك عن مصلحة عاجلة وآجلة. قال الله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة}
ـــــــ
1 انظر مختصر ابن الحاجب “2/213” الإحكام للآمدي “3/303”.

اكتب تعليقًا