البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص115

[النساء: 165]وقال {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} [الحديد: 25] {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} [الحديد: 25] وهذا كله يدل على أنه تعالى إنما تعبدهم بالشرائع لاستصلاح العباد, وهذا لا يعلم إلا بالشرع, وأن العقل لا يدل على أن عند وقوع أحد الفعلين يقع الآخر على سبيل الاختيار إذا لم يكن المختار ممن ثبتت حكمته, فإذا صح ذلك السمع فأحدها القياس على ما سنبينه
ثم الأحكام الشرعية تنقسم إلى ما اطلعنا عليه وعلى وجه الحكمة فيه بأدلة موضوعة من النص تارة, ومن مفهوم وتنبيه وسير وإيجاز, ومنها ما لا يطلع فيه على وجه الحكمة الخفية, وهي من ألطاف الله التي لا يطلع عليها, فمن هاهنا تخصيص التكاليف بوقت دون وقت, وتخصيص بعض الأفعال بالندب, وبعضها بالوجوب, وهذه المصالح بحسب المعلوم من حال المتعبدين به واحدا اختلف الأفعال من الله تعالى في النقل من شريعة إلى أخرى, وقد بنى الله أمور عباده على أن عرفهم معاني دلائلها وجملها, وغيب عنهم معاني دقائقها وتفاصيلها, كما إذا رأينا رجلين عليلين تفاوتت عللهما عرفنا الوجه في افتراقهما, ولو سألنا عن تعداد الاختلاف جهلنا وهذا فن يهون بسطه.
إذا عرفت هذا فهل يجوز أن يقول الله لرسوله: احكم فكل ما حكمت هو الصواب؟ أو يأمر عامة الخلق أن يحكموا بما عن لهم, أو بعض العالم من غير اجتهاد؟ فيه خلاف سيأتي. فقيل: لله أن يتعبد بذلك والصحيح خلافه, فإن هذه الأحكام إذا وضعت لمصالح العباد يجوز أن يختار الفساد والصلاح جميعا وليس اختياره علما على الصواب, وبمثله لم يجز ورود التعبد بتصديق نبي من غير أمارة, فكما يجوز تفويض الأمر إلينا في الخبر على اتفاق الصدق فكذلك القول في المصلحة. قال: والفرق بينه وبين الاجتهاد أن الأمارة على التعبد به مقطوع بها, والظن مبني على أمارة تفضي إلى الظن قطعا, وهنا بخلافه, إذ لا أمارة.
إذا علمت ذلك فما ذكرناه من اشتمال كليات الشرع وجزئياته على المصالح وانقسامها إلى ما يلوح للعباد وإلى ما يخفى عليهم لا خلاف فيه, ولكن اختلفوا وراء ذلك في القياس الشرعي وأنه من مدارك الأحكام أو من القول بالشبه المحض, والذين ردوا القياس اختلفوا فيه, فقيل: لا يجوز ورود التعبد به أصلا, وقيل: يجوز ولكن يمتنع ورود التعبد, قال: ويمتنع ورود التعبد بالقياس في جميع الحوادث لأنه لا بد من أصول تعلل وتحمل الفروع عليها, ولهذا قلنا: إنه مظنون من حيث إن جهات المصالح مغيبة

اكتب تعليقًا