“الأوسط”: وأما أصحاب أبي حنيفة فالمتقدمون منهم وافقوا الشافعي على المنع, والمتأخرون كأبي زيد جوزوا ورجع بعضهم عن ذلك وهم أهل ما وراء النهر. انتهى. وقال القاضي في التقريب: جوز قوم من أسلاف أصحاب أبي حنيفة تخصيصها مستنبطة ومنصوصة, وزعموا أنه قول أبي حنيفة, وحكى بعضهم ذلك عن مالك وهو غير ثابت عنه, ومن أصحابه من يجيزه, وأنكر كثير من أصحاب أبي حنيفة القول بتخصيص العلة وأن يكون ذلك قولا لأبي حنيفة وقالوا: إنما يترك بعض أسلافنا الحكم لأجل علة أخرى وهي أولى منها فأما على وجه تخصيصها فلا. وهذا اعتذار منهم وتحام للقول بتخصيصها.
وتحصل في المسألة مذاهب: ثالثها: المنع في المستنبطة, والجواز في المنصوصة.
وفيها مذهب رابع: وهو تجويز تخصيصها في أصل المذهب, وأما في علة النظر. فلا يجوز, حكاه السهيلي في “أدب الجدل” عن بعض الحنفية. قال: وهو فاسد لأن التعليل في الناظرة إنما يثبت المذهب, فوجب القول بجواز ما فيه وهو قريب من اختيار ابن برهان في “الوجيز” شرط الاطراد في المناظرة حتى أنه ليس له الاحتراز عن النقض الذي أورده الخصم. والجواز في المجتهد نفسه حتى أن له الرجوع إلى ذلك.
وفيها مذهب: خامس: حكاه القاضي في التقريب عن بعض القدرية وهو التفصيل بين علة الإقدام فيجوز تخصيصها, وبين علة ترك الفعل فلا يجوز, بل يكون علة لتركه واجتنابه أين وجدت. قال: وهذا القول خروج عن إجماع الأمة وربما عزي لقدماء الحنفية. قال ابن فورك: ولأبي علي بن أبي هريرة طريقة في تخصيص العلة والعموم فيقول: إن تخصيصها سواء, وهو أنه إنما يمتنع تخصيص العلة المطلقة كما يمتنع تخصيص العام المطلق, وأما إذا اقترنت بهما قرينة فيعلم أن ذلك كان فيها في الابتداء وليس ذلك نقضا, والنقض أن يقال: كانت مطلقة فقيدت الآن, فعلى هذا يسقط ما قاله الخصم تخصيصا من علل السمع, بل تبين بالقرينة, أنها وقعت في الابتداء مقيدة.
ثم الكلام في تحرير أمور:
أحدها : أن الغزالي ذكر في “شفاء العليل” أنه لم يصح عن الشافعي وأبي حنيفة التصريح بتخصيص العلة أو منعه, ونقل الدبوسي تعليلات عنهما منقوضة. قال: