الشرع في الحد, ولم يطردها في التفسيق, فإنه لم ترد شهادة شارب النبيذ ولم يحكم بفسقه. وأيضا فإنه خص علة الربا في مسألة العرايا, وجوز العقد من غير وجود المماثلة كيلا, وكذلك خص ضمان الجنين بالغرة مع مخالفة سائر أجناسه, وكذلك الدية على العاقلة في سائر المواضع.
وأجاب بأنا لا ننكر وجود مواضع في الشرع وتخصيصها بأحكام تخالف سائر أجناسها بدليل شرعي يقوم في ذلك الموضع على الخصوص كالأمثلة المذكورة, إنما الممنوع تخصيص العلة المعنوية. وأجاب القفال عن العرايا بأن العلة في تحريم المزابنة الجهل الكثير, وما أجيزت فيه قليل, فتكون هذه علة مقيدة لعلة الربا مقيدة للجنس.
الثالث: أن المجوزين لتخصيص العلة تمسكوا بآيات, منها قوله تعالى: {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه} [يوسف: 78] فإن هذه العلة التي قصدوا بها إطلاقه من يد العزيز هي موجودة في كل واحد منهم. وأجيب بأنه لم يكن في ذهنهم أن العزيز يعرف أخوتهم الذي أخذوا الاحتراز من محل النقض إنما هو لدفع المعترض بحيث لا يعترض إلا بحسب الاحتراز عنه لفظا, وتكفي إرادته. فالعلة أن له أبا شيخا كبيرا وأنه صغير يصدر عليه من الحزن ما لا يصدر على أحد, فحذف هذا القيد مع إضماره, وإن في حذفه لفائدة جليلة, إذ لم يكن لهم قصد في التعريف بأخوتهم له, ولو صرحوا له بذكر هذا القيد لفهم أخوتهم له. فتأمل هذا ما أحسنه. ومنه قوله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم} [التوبة: 113] الآية. دل النص على أن العلة هي تبين أنهم من أصحاب الجحيم, ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم بالوعد, فدل على جواز تخصيص العلة. واحتج بعضهم على الامتناع بقوله تعالى: {آلذكرين حرم أم الأنثيين} [الأنعام: 143] فإنه طالب الكفار ببيان العلة فيما ادعوا فيه الحرمة لأوجه