لا تدفع لهم, لأنهم إذا أثبتوا أحد هذه المعاني أن الحرمة لأجله انتقض بإقرارهم بالجواز في الموضع الآخر مع وجود ذلك المعنى فيه, ولو كان التخصيص في علل الأحكام الشرعية جائزا لما كانوا محجوجين فإنه لا يعز أن يقال امتنع ثبوته هناك لمانع.
الرابع : مثل جماعة من الأئمة لتخصيص العلة بمسألة العرايا, وإنما يصح ذلك إن قلنا: إن تحريم المزابنة وارد أولا واستقر, ثم وردت رخصة العرايا. فإن قلنا: إن النهي لم يتوجه إلى خصوص العرايا, وأنه أراد بالمزابنة ما سواها من باب إطلاق العام وإرادة الخاص فلا. وهذان الاحتمالان نص عليهما الشافعي في الأم ونقلهما البيهقي في سننه عن الربيع عنه, ونقل عن الشافعي أنه قال: أولى الاحتمالين عندي الثاني: وقد يقال: ترجيح الثاني يقتضي منع كون العرايا رخصة.
الخامس : أن إلكيا الطبري قسم المسألة إلى قسمين: أحدهما: بحسب المناظرة والآخر: المجتهد.
فأما المناظرة إذا توجه إليها النقض فهل له أن يقول ثم لم أحكم بمثل ما حكمت به هاهنا لمانع ويتكلف عذرا, أم لا يقبل ذلك من حيث إنه يناقض كلامه فلزمه أن يسكت؟ فيه خلاف. وأما المجتهد فيتبع العلة المطردة في محالها ثم حكى الخلاف السابق.
السادس : أن المانعين تعلقوا بأن التخصيص يؤدي إلى تكافؤ الأدلة على معنى أنه يجعل المعنى الذي تعلق به المعلل علة في ضد ذلك الحكم ويجريه في كل موضع إلا ما قام دليله, لأن نفس هذا المعنى تعلق عليه حكمان مختلفان جعل المعلل ما خالف حكمه مخصوصا, وما وافقه تعميما. فما الفرق بينه وبين من جعل “ما جعله أصلا” مخصوصا وما “جعله مخصوصا” أصلا. مثاله أن يقول المعلل: طهارة تفتقر إلى النية قياسا على التيمم, فيقال: باطل بإزالة النجاسة, فيقول: إنها مخصوصة, فتقلب عليه فتقول: طهارة تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة ليقال: باطل بالتيمم فيقول: ذلك مخصوص فلا يكون أحدهما أولى من الآخر.
قال الطبري: وهذا فيه نظر, فإن العلة إذا كانت دالة على الحكم بإخالتها وتأثيرها في محل النص ففيما عداه لا يكون دلالتها من ناحية الاطراد فقط لكن من ناحية التأثير والإخالة, ولا يتصور تناقض شهادتهما حينئذ. أما إذا كانت الدلالة تتلقى من الاطراد المحض فيتجه ادعاء التكافؤ في بعض الصور إن صح القول بالطرد, قال الأستاذ أبو إسحاق: تقول لمن خص العلة بما استنبط: عام أو خاص؟ إن ادعيت عمومه