الدين, فقال: وأما أصحابنا فإنهم أوجبوا العكس في العلل العقلية وما أوجبوه في الشرعية والدليل على عدم وجوبه في العقلية فذكره. ونقل القاضي بعد ذلك الاتفاق على عدم اشتراط العكس في الأدلة العقلية, وظن بعضهم أنه مناقض لنقله أولا, توهما منه أن الأدلة هي العلل, وليس كذلك, فإنه لا يشترط في الدليل الانعكاس, والحاصل أن العلل العقلية كالأدلة السمعية. وأخذ صاحب المعتمد من النص السابق أنه يرى أن الطرد والعكس دليل على صحة العلة فقال: وصارت الأشعرية فيما حكاه ابن اللبان إلى أنه لا يدل على صحتها وإن كان من شروطها.
إذا علمت ذلك فاختلفوا في الشرعي على مذاهب:
أحدها : ونقله الماوردي عن ابن أبي هريرة: أنه لا يشترط, بل إذا ثبت الحكم بوجودها صحت وإن لم يرتفع بعدمها, لأن المقصود بها إثبات الحكم دون نفيه, كما يصح المعنى إذا اطرد ولم ينعكس. واختاره الإمام الرازي وأتباعه, ونقله الصفي الهندي عن أكثر أصحابنا.
والثاني : يعتبر, كالأدلة العقلية, ولأن عدم التأثير في ارتفاعها دليل على عدم التأثير في وجودها. وقال الماوردي في باب الربا: إنه هو الصحيح.
والثالث : أنه يعتبر في المستنبطة دون المنصوصة.
والرابع : وهو المختار عند الغزالي إن تعددت العلة فلا يطالب بالعكس, فإنا نجوز ازدحام العلل على حكم واحد, فلا مطمع في العكس معه. وكذا إذا استند الحكم إلى حديث عام وقياس, فقد لا يطرد القياس ويطرد الحديث فلا يطلب العكس وإن اتحدت العلة فلا بد من عكسها, لأن انتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم, بل لأن الحكم لا بد له من علة, فإذا اتحدت العلة وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتا بغير سبب. أما حيث تعددت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها. وأطال في الاحتجاج لذلك. قال في “المنخول”: فكأنما نقول: شرط العلة الانعكاس إلا لمانع. وقال الهندي: لا ينبغي أن يكون فيما ذكره الغزالي خلاف ونزاع لأحد. وبه يظهر أن هذه المسألة فرع تعليل الحكم الواحد بعلل مختلفة.
وقال إمام الحرمين1: ذهبت طائفة إلى اشتراط الانعكاس جملة أي سواء قلنا باتحاد العلة أو بجواز اجتماعها. وآخرون إلى أنه لا يلزم فقال: أما التزام العكس مع
ـــــــ
1 انظر البرهان “2/835”.