أم لا؟ على وجهين لأصحابنا: منهم من جوزه, ومنهم من أباه.
واحتج المجوزون بأن الشافعي جعل العلة فيما يخرج في زكاة الفطر ما تجب فيه الزكاة, وإذا كان هكذا دل على جوازه, لأن هذا إنما حكم لأن القرآن ورد به في قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] والظلم هو اسم حكم.
واختار ابن المنير أن الحكم لا يكون علة وإنما هو دليل على العلة من حيث الملازمة, وذلك أن تكون علته تقتضي حكمين, فإذا وجد أحدهما استدللنا بوجوده على وجودها ثم على وجود الحكم المعلوم ضرورة تلازم الثلاثة.
وقال الآمدي في الأحكام: المختار أن الشرعي يكون علة شرعية بمعنى “الأمارة” لا في أصل القياس بل في غيره, فيجوز أن يقول الشارع: إذا عرفتم أني حكمت بإيجاب كذا فاعلموا أني حكمت بكذا. وإنما امتنع في أصل القياس لأن العلة لا بد وأن تكون بمعنى “الباعث”, فإن كان باعثا على حكم الأصل كتحصيل مصلحة يقتضيها حكم الأصل جاز, وإن كان لدفع مفسدة فلا, وتابعه ابن الحاجب. وهو تحكم, لأن الحكم الشرعي إنما شرع لتحصيل مصلحة أو دفع مفسدة, فلما يخصص بالمصلحة دون دفع المفسدة؟
تنبيه
القائلون بالجواز اختلفوا في تعليل الحكم الحقيقي بالحكم الشرعي, كقولنا في إثبات الحياة في الشعر بأنه يحرم بالطلاق ويحل بالنكاح فيكون حيا كاليد, فمنهم من جوزه. قال الهندي: وهو الحق, لأن المراد من العلة المعرف, ولا يبعد أن يكون الحكم الشرعي معرفا للحكم الحقيقي فأما إذا فسرناها بالموجب والداعي امتنع, ومنهم من أطلق المنع, فإن كان ذلك بناء على تفسير العلة بالموجب فصحيح لكن لا نرتضيه, وإن كان ذلك مطلقا فباطل, وكلام العبدري يقتضي التفصيل بين الحكم المنصوص والمستنبط, فإنه قال: يقال للمانع من التعليل بالحكم: إن أردت به الحكم الذي يستنبطه المجتهد فقولك صحيح ولسنا ننفيه, وإن أردت الحكم الذي صدر عن الشارع فلا يمتنع أن يحكم الشرع بحكم ثم يجعل ذلك الحكم علة لحكم آخر, وقد وقع في الشرع كثيرا بناء على تفسير العلة بالموجب.