البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص170

عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة} [النحل: 89] ونصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره, كما صرح به في قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44], وفي قوله: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} [البقرة: 150] فإتمام النعمة هي الرحمة. وقوله: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر:17] أي لأجل الذكر, كما قال: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} [الدخان:58] وقوله: {فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا} [المرسلات:6] للإعذار والإنذار.
[الثاني: الظاهر] وأما الظاهر فهو كل ما ينقدح حمله على غيره التعليل أو الاعتبار إلا على بعد. وهو أقسام:
أحدها – اللام: وهي إما مقدرة, كما سيأتي في مذهب الكوفيين, وإما ظاهرة, لقوله تعالى: {لدلوك الشمس} [الاسراء: 78], {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} [الذريات:56], {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به} [آل عمران: 126] والقرآن محشو من هذا.
فإن قلت: اللام فيه للعاقبة, كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] وقوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة} [الحج: 53] قلت: لام العاقبة إنما تكون في حق من يجهلها, كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم} . أو يعجز عن دفعها, كقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
وأما من هو بكل شيء عليم فيستحيل في حقه معنى هذه اللام, وإنما اللام الواردة في أحكامه وأفعاله لام الحكم والغاية المطلوبة من الحكمة. وقوله: {ليكون لهم عدوا وحزنا} هو تعليل لقضاء الله بالتقاطه وتقديره له, فإن التقاطهم إنما كان لقضائه, وذكر فضلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه جزاء لهم وحسرة عليهم وعن البصريين إنكار لام العاقبة.
قال الزمخشري: والتحقيق لام العلة, فإن التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة, لأن داعيهم للالتقاط لم يكن لكونه عدوا وحزنا, بل المحبة والتبني, غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرة, شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله, فاللام مستعارة لما يشبه التعليل, كما استعير الأسد لمن يشبه الأسد.
ونقل ابن خالويه في كتابه المبتدأ عن البصريين أنها لام الصيرورة, وعن

اكتب تعليقًا