البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص173

وجعل منه الآمدي والهندي {جزاء بما كانوا يعملون} [الاحقاف: 14] ونسبه بعضهم إلى المعتزلة وقال: إنما هي للمقابلة, كقولهم: هذا بذلك, لأن المعطي هو من قد يعطي مجانا, وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب.
وتقدم في الحروف الفرق بين باء السببية وباء العلة و “إن “تشارك الباء في التعليل وتمتاز عنها بشيئين:
أحدهما : أن ما يليها في حكم من رجع إليه فيما يتكلم فيه فقال موسعا كالجواب: لأنه كذا.
والثاني : أن خبرها غير معلوم للمخاطب. أو منزل منزلة غير المعلوم لما لم يعمل بمقتضاه.
وزعم الإمام فخر الدين أن دلالة الباء على التعليل مجاز من جهة أن ذات العلة لما اقتضت وجود المعلول دخل الإلصاق هناك, فحسن استعمالها فيه مجازا. قال الهندي: وهذا يخالف ما ذكره غيره. ولما أشعر به كلامه هنا من أن دلالة اللام والباء قائمة على التعليل ظاهرة من غير فرق.
ثم ذكر أنها في اللام حقيقة وقال الأصفهاني في نكته: الباء دون اللام في العلية, لأن محامل اللام أقل من محامل الباء. واللام وإن جاءت للاختصاص فالتعليل لا يخلو عن الاختصاص فكانت دلالة اللام أخص بالعلة.
السادس – الفاء: إذا علق بها الحكم على الوصف ولا بد فيها من تأخرها وهي نوعان.
أحدهما : أن تدخل على السبب والعلة, ويكون الحكم متقدما. كقوله عليه الصلاة والسلام في المحرم وقصته ناقته: “لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا” 1.
والثاني: أن تدخل على الحكم وتكون العلة متقدمة, كقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2] {والسارق والسارقة فاقطعوا} [المائدة: 38]. {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6]. فالفاء للجزاء, والجزاء مستحق بالمذكور السابق, وهو السرقة مثلا, لأن التقدير: إن سرق فاقطعوه. ومن هذا القبيل قوله
ـــــــ
1 الحديث رواه البخاري كتاب الجنائز باب كيف يكفن المحرم حديث “1267” ورواه مسلم “2/865” كتاب الحج حديث “1206”.

اكتب تعليقًا