البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص175

[النور: 2], أي: لسرقتهما ولزناهما. فاستحقاق القطع والجلد إنما كان للسرقة والزنى لا لغيرهما, ولولا الفاء جاز أن يكون لهما ولغيرهما.
والنكرة الموصوفة نحو: كل إنسان يفعل كذا فله درهم, فيدل على استحقاق الدرهم بالفعل المتقدم, فإذا لم تدخل لم يدل على ذلك, وجاز أن يكون به وبغيره, لأن في الكلام معنى الشرط, إذا المعنى: إن يأتني رجل فله درهم.
والشرط سبب في الجزاء وعلة له, ولهذا دخلت الفاء, لأنها للتعقيب, والمسبب في الرتبة عقب السبب, فكان في دخولها إيماء إلى العلة, وإذا حذفت لم يقتض اللفظ أن يكون الدرهم مستحقا بالفعل المتقدم, بل به وبغيره لعدم الفاء المفيدة للتنبيه على العلة الموجبة للاستحقاق.
وهنا أمران:
أحدهما : أن دخول فاء التعقيب على المعلوم واضح, لوجوب تأخره عن العلة. وأما دخولها على العلة نحو “فإنه يبعث” فوجهه أن العلة الغائبة لها تقدم في الذهن وتأخر في الوجود, كما تقول: أكل فشبع, فالشبع متأخر في الوجود متقدم في الذهن.
وبهذا يجاب عن الاعتراض على القول باستفادة التعليل من الفاء بترتيب الوضوء على القيام إلى الصلاة, ولو كانت للتعليل لزم أن يكون القيام إلى الصلاة علة الوضوء, وذلك ممتنع, بل علة وجوب الوضوء وجود الحدث. ولقد اعتاص الجواب على الغزالي حتى انتهى فيه إلى الإسهاب. وجوابه يعلم مما ذكرنا أن العلة تنقسم إلى ما يتقدم تصورها وإلى ما ينعدم تصورها. والصلاة بالنسبة إلى الوضوء لك أن تجعلها من الأول بأنها حكمة الوضوء ولها شرط يصح ترتيبه عليها بالفاء, كما رتب بعث الشهيد المحرم على هيئته, وأن تجعلها من الثاني فإنه قد أمكن جعل القيام إلى الصلاة مظنة وسببا, ويكون الحدث شرطا من شرائط السبب أو من شرائط الحكم وإلحاق شرط بالوصف المومأ إليه لا يستكثر.
وقال بعضهم: الأولى أن تدخل الفاء على الأحكام, لأنها مترتبة على العلل, ولا تدخل على العلل لاستحالة تأخر العلة عن المعلول, إلا أنها قد تدخل على العلل على خلاف الأصل بشرط أن يكون لها دوام, لأنها إذا كانت دائمة كانت في حالة الدوام متراخية عن ابتداء الحكم, فصح دخول الفاء عليها بهذا الاعتبار, كما

اكتب تعليقًا