[المسلك الثالث] الإيماء والتنبيه
وهو يدل على العلية بالالتزام, لأنه يفهمها من جهة المعنى لا اللفظ, وإلا لكان صريحا, ووجه دلالته أن ذكره مع الحكم يمنع أن يكون لا لفائدة, لأنه عبث, فتعين أن يكون لفائدة, وهي إما كونه علة أو جزء علة أو شرطا, والأظهر كونه علة لأنه الأكثر في تصرف الشارح. وهو أنواع.
أحدها: ذكر الحكم السكوتي أو الشرعي عقب الوصف المناسب له, وتارة يقترن ب “أن”, وتارة بالفاء, وتارة يذكر مجردا. فالأول كقوله تعالى: {وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين} – إلى قوله: {خاشعين} [الانبياء: 90] وقوله: {إن المتقين في جنات وعيون} [الذريات:15]. الآية والثاني كقوله {والسارق والسارقة فاقطعوا} [المائدة: 38]. و {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2]. والثالث: {إن المتقين في جنات ونهر} [القمر:54], {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة:277].
والذي بعد الفاء تارة يكون حكما, نحو {قل هو أذى فاعتزلوا النساء} [البقرة: 222], وتارة يكون علة, نحو “فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا” فإنه علة تجنيبه الطيب. ثم منه ما صرح فيه بالحكم والوصف معا فهو إيماء بلا خلاف, كقوله عليه السلام: “من أحيا أرضا ميتة فهي له” , “من ملك ذا رحم محرم عتق عليه” 1, فقد صرح في الأول بالإحياء, وهو الوصف, والحكم وهو الملك. وفي الثاني بالملك وهو الوصف, وبالعتق وهو الحكم. ومنه ما لم يصرح بهما:
فإن صرح بالحكم – والوصف مستنبط – كتحريم الربا في البر المستخرج منه علة الكيل أو الطعم أو الوزن, فليس بإيماء قطعا. وقيل: على الخلاف في عكسه, وهو ما
ـــــــ
1 الحديث رواه أبو داود “4/26” كتاب العتق باب فيمن ملك ذا رحم محرم حدبث “3949” بلفظ: “من ملك ذا رحم محرم فهو حر” ورواه الترمذي كتاب الأحكام حديث “1365” وهو حديث صحيح.