البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص182

وإلا فالطعام والبر سواء في تعليق الحكم به.
والسادس: ترتب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء, كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] أي لأجل تقواه. {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] أي لأجل توكله, لأن الجزاء يتعقب الشرط, والسبب ما ثبت الحكم عقبه, فإذا الشرط في مثل هذا سبب الجزاء, فيكون الشرط اللغوي سببا وعلة. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: “من اتبع جنازة فله من الأجر قيراط” 1, و”من أحيا أرضا ميتة فهي له”.
وهذا القسم لا يكون ما بعد الفاء إلا حكما, وما قبلها إلا سببا, لأن جواب الشرط متأخر بالوضع عن الشرط تحقيقا, نحو: إن كنت مؤمنا فاتق الله, أو تقديرا, نحو: اتق الله إن كنت مؤمنا, لأن جواب الشرط لازم, والشرط ملزوم, واللازم إنما يكون بعد الملزوم, وثبوته فرع عن ثبوته. بخلاف الأقسام السابقة. فإذا ما بعد الفاء قد يكون حكما وقد يكون علة.
وزعم بعضهم رجوعه إلى باب الشرط والجزاء لأن الأمر والنهي قد يقتضيان الشرط فيجزم جوابهما, كقوله تعالى: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} [مريم: 5-6] أي: هب لي, فإنك إن تهب لي وليا يرثني. وقولك: لا تقرب الشر تنج: أي: لا تقربه, فإنك إن لا تقربه تنج, وتدخل الفاء في جوابهما, كقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تقربوه طيبا, فإنه يبعث” أي إنه مات محرما فإنه يبعث ملبيا فلا تقربوه طيبا. فالظاهر استواء الصيغ كلها في تأخر الحكم على الوصف والحكم إما مسبب أو مشروط وهو مسبب أيضا, وكلاهما متأخر, نعم بعض ذلك متأخر تحقيقا, وبعضه متأخر تقديرا.
السابع: تعليل عدم الحكم بوجود المانع منه, كقوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن} . {ولو بسط الله الرزق لعباده} [الشورى: 27], {وما منعنا أن نرسل بالآيات} [الاسراء: 59]. أي: آيات الاقتراح لا الآيات الدالة على صدق الرسل, وقوله: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته} [فصلت: 44] وقوله: {لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} [الأنعام: 8] فأخبر سبحانه عن المانع
ـــــــ
1 رواه البخاري كتاب الجنائز باب فضل اتباع الجنائز حديث “1342” رواه مسلم “2/652” كتاب الجنائز حديث “945”.

اكتب تعليقًا