البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص190

شرع في الجناية عليه بالقذف الحد, وهو أحق بالحفظ من غيره, فإن الإنسان قد يتجاوز من جنى على نفسه وماله, ولا يكاد أحد يتجاوز عن الجناية على عرضه, ولهذا كان أهل الجناية يتوقعون الحرب العوان المبيدة للفرسان لأجل كلمة, فهؤلاء عبس وذبيان استمرت الحرب بينهم أربعين سنة لأجل سبق فرس فرسا, وهما داحس والغبراء, وإليهما تضاف هذه الحرب, وذلك لأن المسبوق, وهو حذيفة بن بدر, اعتقد مسبوقيته عارا يقبح عرضه.
ويلتحق بهذا القسم مشكل الضروري, كحد قليل المسكر ووجوب الحد فيه, وتحريم البدعة والمبالغة في عقوبة المبتدع الداعي إليها, وفي حفظ النسب بتحريم النظر والمس, والتعزير على ذلك.
الثاني – الحاجي:
وهو ما يقع في محل الحاجة, لا الضرورة, كالإجارة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضن مالكها ببذلها عارية. وكذلك المساقاة لاشتغال بعض الملاك عن تعهد أشجاره. وكذلك القراض.
وذكر بعضهم في هذا القسم البيع. وقال إمام الحرمين: تصحيح البيع آيل إلى الضرورة. والإجارة دونه, لأن كل أحد لا يستغني عن البيع, فالضرورة إليه عامة, وفي الآحاد من يستغني عن الإجارة, فالحاجة إليها ليست عامة. ونازعه ابن المنير وقال: وقوع الإجارات أكثر من المبايعات.
ومنه: نصب الولي للصغير, لأنه أكمل نظرا من المرأة, لكمال عقله, فلو فوض نكاحها إليها أوقعت نفسها في معرة, لقصور نظرها, ولأن توليها النكاح يستقبح عند العقلاء, لإشعاره ببذاءتها.
ثم قد يكون من هذا ما هو ضروري, كالإجارة لتربية الطفل. وتكميلا كخيار البيع, ورعاية الكفاءة, ومهر المثل في تزويج الصغير فإنه أفضى إلى دوام النكاح.
ثم اعلم أن “المناسبة” قد تكون جلية حتى تنتهي إلى القطع, كالضروريات. وقد تكون خفية, كالمعاني التي استنبطها الفقهاء وليس لهم إلا مجرد احتمال اعتبار الشرع لها.
وقد يشتبه كون “المناسبة” واقعة في مرتبة الضرورة أو الحاجة لتقاربهما. وقد قال بعض الأكابر: إن مشروعية الإجارة على خلاف القياس فنازعه بعض الفضلاء

اكتب تعليقًا