وقال: إنها في مرتبة الضرورة, لأنه ليس كل الناس قادرا على المساكن بالملك ولا أكثرهم, والسكن ما يكن من الحر والبرد من مرتبة الضرورة. وقد يختلف التأثير بالنسبة إلى الجلاء والخفاء.
الثالث – التحسيني:
وهو قسمان: منه ما هو غير معارض للقواعد, كتحريم القاذورات, فإن نفرة الطباع عنها لقذارتها معنى يناسب حرمة تناولها, حثا على مكارم الأخلاق, كما قال تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] وحمله الشافعي على المستحب عادة على تفصيل. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” 1 رواه البيهقي في سننه.
و”منه”: إزالة النجاسة, فإنها مستقذرة في الجبلات, واجتنابها أهم في المكارم والمروآت, ولذا يحرم التضمخ بها على الصحيح من غير حاجة. قال الإمام في البرهان: والشافعي نص على هذا في الكثير. ثم إنه في النهاية في الكلام على وطء الأمة في دبرها قال: لا يحرم.
و”منه”: إيجاب الوضوء, لما فيه من إفادة النظافة, إذ الأمر بها في استغراق الأوقات مما يعسر فوظف الوضوء في الأوقات وبنى الأمر على إفادته المقصود, وعلم الشارع أن أرباب العقول لا يعتمدون فعل الأوساخ والأدران إلى أعضائهم البادية منهم فكان ذلك النهاية في الاستصلاح.
قال الإمام: وإزالة النجاسة أظهر في هذا من النظافة الكلية المرتبة على الوضوء من حيث إن الجملة تستقذرها, والمروءة تقتضي اجتنابها, فهي أظهر من اجتناب الشعث والغمرات. “قال”: ولهذا جعل الشافعي الوضوء بالنية من حيث التحق بالعادات العرية عن الأعراض وضاهى العبادات الدينية.
و “منه” سلب العبد أهلية الشهادة, لأنها منصب شريف, والعبد نازل القدر, والجمع بينهما غير ملائم. وهذا استشكله ابن دقيق العيد, لأن الحكم بالحق بعد ظهور الشاهد واتصاله إلى مستحقه ودفع اليد الظالمة عنه من مراتب الضرورة, واعتبار نقصان العبد في الرتبة والمنصب من مراتب التحسين, وترك مرتبة الضرورة رعاية لمرتبة التحسين بعيدا جدا. نعم, لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته ويعلل
ـــــــ
1 سبق تخريجه.