البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص200

المسلك السادس السبر والتقسيم
ويسميه المنطقيون “القياس الشرطي المنفصل” فإن لم يكن تقسيما سموه بالمتصل. وهو لغة: الاختبار, ومنه الميل الذي يختبر به الجرح الذي يقال له المسبار, وسمي هذا به لأن المناظر في العلة يقسم الصفات ويختبر كل واحد منها في أنه هل يصلح للعلية أم لا؟
وقد أشير إليه في قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق} [المؤمنون: 91] وقوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور:35] فإن هذا تقسيم حاصر, لأنه ممتنع خلقهم من غير خالق خلقهم, وكونه يخلقون أنفسهم أشد امتناعا, فعلم أن لهم خالقا خلقهم, وهو سبحانه, ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه الصيغة المستدل بها بطريقة بديهية لا يمكن إنكارها. وفي قوله صلى الله عليه وسلم لعمر, في ابن صياد. “إن يكن هو فلن تسلط عليه, وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله” 1.
وهو قسمان:
أحدهما : أن يدور بين النفي والإثبات وهو المنحصر. والثاني: أن لا يكون كذلك وهو المنتشر. فالأول: أن يحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها للمقيس عليه ثم اختبارها وإبطال ما لا يصلح منها, بدليله: إما بكونه طردا, أو ملغى, أو نقض الوصف أو كسره أو خفائه واضطرابه, فيتعين الباقي للعلية, وهو قطعي لإفادة العلة, ويجوز التمسك به في القطعيات والظنيات, فالأول كقولنا: العالم إما أن يكون قديما أو حادثا, بطل أن يكون قديما فثبت أنه حادث. والثاني كقولنا: ولاية الإجبار إما أن لا تعلل أو تعلل بالبكارة أو الصغر أو الأبوة أو غيرها. والكل باطل سوى الثاني, فالأول بالإجماع. والثالث والرابع لقوله عليه السلام: “الثيب أحق بنفسها” 2 فيتعين الثاني. قال الهندي: وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا, أي على وجه التنقيب.
ـــــــ
1 رواه البخاري كتاب الأدب باب تول الرجل للرجل أخا حديث “6173” ورواه مسلم “4/2244” كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر ابن صياد حديث “2931”.
2 رواه مسلم “2/1037” كتاب النكاح باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق……… حديث “1421”.

اكتب تعليقًا