الذي ينفيه السبر إما أن يقطع بمناسبته فهو التخريج, أو يعرو عنها فهو الطردي ولا يصح أن يعلل به, أو لا يقطع بوجوده فيه ولا عدمها فهو الشبه, فلا بد في العلة من اعتبار وجود المصلحة أو صلاحيتها لذلك. ويلزم منه ما ذكرناه. إلا أن التقسيم إذا كان دائرا بين النفي والإثبات فأبطل أحد القسمين مثلا تعين المطلوب في الثاني قطعا, كقولنا: العالم إما قديم وإما حادث, محال أن يكون قديما لكذا, فلزم أن يكون حادثا, فإن هذا ونحوه برهان قطعي, وهو المسمى عند المنطقي ب “الشرطي المتصل”, وقال في “أصوله”: أكثر النظار عدوا هذا المسلك دليلا على التعليل, وفيه نظر. وذلك أن ما ينفيه السبر لا بد وأن يكون ظاهر المناسبة, وهو قياس العلة, أو صالحا لها, وهو الشبه, فالتحقيق أن يقال على التعليل هنا هو المناسبة, غير أن السبر عين دليل الوصف, فالسبر إذن شرط, لا دليل, وكذلك في سائر المسالك النظرية, فليس مسلكا بنفسه, بل هو شرط المسالك النظرية. وقد حكي عن قوم من الأصوليين في الدوران أنه شرط للعلة لا تثبت مع دليل عليها, وهو يتمشى مع ما ذكرناه في السبر, وهو الصحيح. انتهى.
وقد جزم الغزالي في المستصفى بأنه إذا استقام لم يحتج إلى مناسبة, ونازعه شارحه العبدري أيضا, لاعتقاده بأن السبر ليس من مسائل العلة, وإنما هو خادم للوصف المناسب, أي به يتقيد الوصف المناسب المختلط بغيره.
وقال الإبياري في شرح البرهان: السبر يرجع إلى اختبار في أوصاف المحل وضبطها, والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر إبطاله فيها, فإذن لا يكون من الأدلة بحال. وإنما تسامح الأصوليون بذلك لأن المراد بالدليل هو الذي دل على أن العلة في جملة الأوصاف, والدليل الثاني دل على التعيين. وإلا فالسبر والتقسيم ليس هو دليلا قال: ولا بد فيه من ثلاثة أمور: إحداها: أن يتبين المطلوب في الجملة: وثانيها: سبر خاص. وثالثها: إبطال ما عدا المختار. فإن كانت هذه معلومة حصل العلم بالمطلوب وإلا فلا, بل تحصل غلبة الظن. ثم إن كان الموضع مما يكتفى فيه بغلبة الظن اكتفي به وإلا فلا قال: وهذا لا يتصور فيه خلاف وليس كما قال.
وقال ابن المنير في شرحه: زعم بعض المتأخرين أن السبر إذا دار بين النفي والإثبات فهو التقسيم, وعليه المعول في العقليات, وإلا فهو السبر, وليس كما زعم, بل السبر والتقسيم متغايران متلازمان في الدلالة في العقليات وفي الفقهيات سواء دارت القسمة بين النفي والإثبات أم لا. فالسبر إذن في العقليات: اختبار المقدرات لينظر