صلاحه في الحال التي لا يغني فيها عن نفسه, وكان الأب إذا بلغ أن لا يغني عن نفسه بكسب ولا مال فعلى ولده صلاحه في نفقته وكسوته, قياسا على الوالد, ولم يضع شيئا هو منه, كما لم يكن للوالد ذلك, والوالد وإن بعد, والولد وإن سفل في هذا المعنى, فقلنا: ينفق على كل محتاج منهم غير محترف, وله النفقة على الغني المحترف.
وذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الغلة بالضمان فقال: وكأن الغلة لم تقع عليها صفقة البيع فيكون لها حصة في الثمن, فكانت في ملك المشتري في الوقت الذي لو فات فيه العقد فات في ماله, فدل أنه إنما جعلها له لأنه حادثة في ملكه وضمانه, فقلنا كذلك في ثمر النخيل ولبن الماشية وصوفها وأولادها وولد الجارية وكل ما حدث في ملك المشتري وضمانه. وكذلك وطء الأمة الثيب وخدمتها.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذهب بالذهب, والورق بالورق, والتمر بالتمر, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والملح بالملح إلا مثلا بمثل, يدا بيد1, فلما حرم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأصناف المأكولة التي يشح الناس عليها حين باعوها كيلا لمعنيين:
أحدهما : أن يباع منها شيء بمثله دينا, والآخر: زيادة أحدهما على الآخر نقدا, كان كما كان في معناها, فحرمنا قياسا عليهما, فكذلك كل ما أكل مما ابتيع موزونا, والوزن والكيل في ذلك سواء, وذلك كالعسل والزبيب والسمن والسكر وغيره مما يكال ويوزن ويباع موزونا, ولم يقس الموزون على الموزون من الذهب والورق, لأن يجوز أن يشتري بالدراهم والدنانير نقدا عسلا وسمنا إلى أجل, ولو قيس عليه لم يجز إلا يدا بيد, كالدنانير والدراهم. ويقاس به ما كان في معناه من المأكول والموزون لأنه يعتاد الكيل والوزن.
قال الغزالي: هذا كله نقلناه من لفظ الشافعي فليتأمل المنصف ليعرف كيف علل بهذه الأوصاف [ما] لا يناسب, ذاهبا إلى أن المشارك له في هذه الأوصاف في معناه غير معرج على المناسبة والإيماء.
ونقل أبو بكر الفارسي من لفظ ابن سريج, في سياق كلام له في تصحيح التعليل بالاطراد والسلامة عن النواقض فصلا وهو قوله: قلت: فإن قال قائل: إذا ادعيتم أن العلل تستخرج وتصح بالسبر والتقسيم والاطراد في معلولاتها, فإن عارضها أصل يدفعها علم فساده, وإن لم يعارضها أصل صحت فأخبروني: إذا انتزعتم علة من
ـــــــ
1 الحديث رواه البخاري كتاب المساقات باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا حديث “1587”.