البحر المحيط في أصول الفقه – الزركشي – دار الكتب العلمية – بو عبد الله محمد بن الفقير إلى الله تعالى عبد الله الزركشي الشافعي – ج4 ص232

متى حصل الجواب عن المنع والمعارضة تم الدليل ولم يبق للمعترض مجال. فإن قيل: القول برجوعها إلى المنع والمعارضة ممنوع, لأن المعارضة من جملة الاعتراضات, فيؤدي إلى انقسام الشيء إلى نفسه وإلى غيره, وإلى أن الشيء يكون داخلا تحت نفسه ضرورة لزوم اندراج المعارضة تحت المعارضة.
قلنا: إذا كان المنقسم إلى هذه الأقسام هو مطلق المعارضة ومطلق المنع لا يلزم ذلك, لأن الأعم لا يستلزم الأخص.
الأول النقض
وقدمناه وإن كان من آخر الأسئلة لكثرة جريانه في المناظرات, وبالجواب عنه يبين الجمع بين الأحكام المتضادة ويندفع تعارضها وهو تخلف الحكم مع وجود العلة ولو في صورة. فإن كان في المناظرة اشترط في صحته اعتراف المستدل بذلك. وتسميته نقضا صحيح عند من رآه قادحا. وأما من لم يره قدحا فلا يسميه نقضا بل يقول بتخصيص العلة. وقد بالغ أبو زيد في الرد على من يسميه نقضا, كقولنا فيمن لم يبيت النية: صوم تعرى أوله عن النية فلا يصح, فيقال: فينتقض بصوم التطوع.
واعلم أولا أن العلة إما منصوصة قطعا أو ظنا أو مستنبطة وتخلف الحكم عنها إما لمانع أو فوات شرط أو دونهما. فصارت الصور تسعا, من ضرب ثلاثة في ثلاثة وقد اختلفوا فيه على بضعة عشر مذهبا: طرفان, والباقي أوساط.
أحدها : أنه يقدح في الوصف المدعى عليته مطلقا, سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة, وسواء كان الحكم لمانع أو لا لمانع وهو مذهب المتكلمين منهم الأستاذ أبو إسحاق كما حكاه إمام الحرمين. وهو اختيار أبي الحسين البصري والإمام الرازي, وعليه أكثر أصحابنا, ونسبوه إلى الشافعي, ورجحوا أنه مذهب الشافعي على غيره, لأن علله سليمة عن الانتقاض جارية على مقتضاها, وأن النقض يشبه تجريح البينة المعدلة, واختاره القاضيان أبو بكر وعبد الوهاب من المالكية.
والثاني : لا يقدح مطلقا في كونها علة فيما وراء محل النقض, ويتعين تقدير مانع أو تخلف شرط. وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد. وقال الباجي: حكاه القاضي والشافعية عن أصحاب مالك ولم أر أحدا من أصحابنا أقر به ولا نصره. ووجهه أن العلة بالنسبة إلى محالها ومواردها كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاتها, فكما جاز تخصيص العموم اللفظي وإخراج بعض ما تناوله فكذلك في العلة, وفرق الأولون

اكتب تعليقًا