فتنتقض الطهارة, أخذا من قوله: “الوضوء مما خرج”1 ثم بان أنه لم يتوضأ عن الحجامة, فيعلم أن العلة بتمامها لم تذكر في الحديث وأن العلة إنما هي الخارج من السبيلين فكان مطلق الخروج بعض العلة. وإن لم يكن كذلك وجب تأويل التعليل وأنه غير مراد, لقوله تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} [الحشر: 2] ثم علل ذلك بقوله: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ومعلوم أن كل من يشاقق الله ورسوله فإنه يعذب فتكون العلة منصوصة ولا يقال: إنه علة في حقهم خاصة لأنه يعد تهافتا في الكلام, فثبت أن الحكم المعلل بذلك ليس هو التخريب المذكور, بل هو لازمه أو جزؤه الأعم, وهو كونه عذابا, ولا شك أن كل من يشاقق الله ورسوله فإنه يعذب بخراب البيت أو بغيره.
وإن كانت العلة مستنبطة فإن انقدح جواب عن محل النقض تبين أن ما ذكرناه ليس تمام العلة. وإن لم ينقدح جواب مناسب وأمكن أن يكون النقض دليلا على فساد العلة وأن يكون معرفا لتخصيصها, فهذا يجب الاحتراز عنه بينهم في الجدل للمناظر. وأما المجتهد المناظر فيحتمل إلحاقه به, فيجب عليه اعتقاد فسادها, ويحتمل أن يعتقد استناده رخصة.
الثانية : أن تنتفي العلة, لا لخلل في نفسها, لكن يندفع الحكم عنه بمعارضة علة أخرى, فهذا لا يرد نقضا لأن الحكم حاصل فيه تقديرا. كقولنا: إن علة رق الولد ملك الأم ثم وجدنا المغرور بحرية أمه ينعقد ولده حرا, فقد وجد رق الأم وانتفى رق الولد. لكن عارضته علة أخرى وهي وجوب الغرم على المغرور, ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع لم تجب قيمة الولد. الثالثة: أن يميل النقض عن صوب جريان العلة ويتخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها وشرطها وأهلها. كقولنا: السرقة علة القطع, وقد وجدت في حق النباش, فينتقض بسرقة الصبي ونحوه, أو دون النصاب, أو من غير حرز. فهذا لا يلتفت إليه المجتهد, لأن نظره في تحقيق العلة دون شرطها ومحلها, فهو مائل عن صوب نظره. أما المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أم يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن مقصد النظر, وليس البحث عن المحل والشرط. واختلف فيه الجدليون, والخطب فيه سهل, وتكليف الاحتراز جمع لنشر
ـــــــ
1 هذا الأثر عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما رواه البيهقي في سننه “1/116” “1/157” وقال: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت.